تحليلات

في واجهة الأحداث
متى تتولى أفريقيا أمرها
القلق السوداني
تدهور الوضع بسرعة كبيرة في دولة أفريقيا الوسطى، ذلك البلد الذي يحمل من أفريقيا بالإضافة إلى اسمها،أيضاً معاناتها من صراع الحركات المسلحة والمتمردة مما أدخلها في دوامة من العنف وصفتها الأمم المتحدة بأنّها مأساة قد تؤدي إلى حرب إبادة متوقعة. وتضاف هذه الاضطرابات منذ استيلاء المتمردين على السلطة في آذار/مارس إلى هذا الوضع الناشيء لحالة انعدام الأمن وعدم الاستقرار التي تمسك بمفاصل الحياة السياسية في هذه الجمهورية المصنفة كواحدة من الدول الأقل نمواً في العالم .
واقع الحال هذا لا يضع دولة أفريقيا الوسطى وحدها وإنما يضع الدول الأفريقية أيضاً أمام مبدأ الحلول الأفريقية لمشاكل أفريقيا. وهو تساؤل يتداعى أمام الحلول الدولية بقيادة فرنسا المدعومة بأحقيتها التاريخية في مستعمرتها السابقة. وأمام مقدرة الدول الأفريقية في السيطرة على دائرة العنف بين الأقلية المسلمة والأغلبية المسيحية، يقف السودان الجار الشرقي للجمهورية حائراً.
في واجهة الأحداث :
تعبر مشاهد العنف في أفريقيا الوسطى بصورة جلية عن انعدام الأمن الذي ابتدأ منذ أن أطاح إئتلاف متمردي سيليكا بالرئيس السابق فرنسوا بوزيزيه في 24 آذار/ مارس الماضي، لتنصب الحركة المتمردة زعيمها ميشال جوتوديا بعد حلّ الحركة،رئيساً انتقالياً للبلاد في 18 آب/ أغسطس الماضي. وحمل تحالف سيليكا الذي يضم فصائل متمردة السلاح للمطالبة باحترام اتفاقات السلام الموقعة بين عامي 2007 و2011م والتي تنص على نزع السلاح وإعادة إدماج المتمردين في الجيش.
لم تستقر هذه الجماعة في الحكم حتى ظهرت مجموعات أخرى مكونة من مليشيات قروية للدفاع الذاتي، تضم مجموعة من المزارعين المسيحيين ملقبة باسم (انتي بالاكا) أو (مناهضو السواطير). ظهرت هذه المجموعات من أتباع الرئيس بوزيزيه منذ أيلول /سبتمبر الماضي في شمال غرب أفريقيا الوسطى رداً على التجاوزات التي ارتكبها مسلحون من صفوف تحالف سيليكا المتمرد، ولرغبتهم في انتقال الحكم لرئيس مسيحي. أدى هذا الصراع إلى نشأة نوع من الانقسام القومي والديني بين المسيحيين الذين يشكلون أغلبية السكان وهم حوالي 50% والمسلمين الذين يشكلون 15% وخرج من أوساطهم جوتوديا كأول رئيس مسلم للبلاد وأنصاره المقاتلين في  تحالف سيليكا ،أما بقية السكان فإنهم يدينون بديانات محلية .
ومما ساهم في ضعضعة نظام الرئيس جوتوديا هو مرور تحالفه بحالة من التصدع أصابت مختلف مكوناته، فبرزت شكوى بعض الفصائل من تهميشه لهم بعد أن تمكن من السيطرة على الأمور في العاصمة بانغي. كما أنّ هناك عامل آخر هو عجز الحكومة الجديدة عن بسط سيطرتها التامة على البلاد بسبب انفراط عقد الأمن ونشاط المجموعات المسلحة في مختلف أنحاء البلاد مما خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.
ينطبق الوصف على جمهورية أفريقيا الوسطى بأنها جمهورية التمرد، وذلك لتاريخها الحافل في هذا المضمار حتى أصبح تقليداً من جانب القوات المسلحة تمثل في عدة حركات تمرد عسكرية خلال العقدين الماضيين. وكانت سمة التمرد من قبل الحركات المسلحة ذات دوافع اقتصادية ومطالب مرتبطة بحقوقهم المهنية، ولكنها تحولت إلى حالة تمرد سياسي كان أبرزها ذلك التمرد الذي قاد الرئيس السابق فرانسوا بوزيزيه إلى السلطة مدعوماً من جمهورية تشاد في عام 2003م.
واجه نظام بوزيزيه التمرد الأول في عام 2010م، وهو ما سمي بتمرد بيرادو في شمال جمهورية أفريقيا الوسطى، وقد تم انقاذ نظام الرئيس بوزيزيه بعد القضاء عليه بواسطة تدخل القوات النظامية التشادية. بعدها توصلت أطراف النزاع إلى اتفاق في العاصمة الغابونية ليبروفيل لإنهاء الأزمة إثر مفاوضات تمت برعاية المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا في يناير/كانون الثاني من هذا العام 2013م.
أما تمرد تحالف سيليكا فهو التمرد الثاني الذي تعرض له نظام الرئيس بوزيزيه وأدى إلى الإطاحة بنظامه. وهو الذي وضع أفريقيا الوسطى مؤخراً في واجهة الأحداث متأثرة بحالة من التوتر الحاد بين المجموعات القبلية المختلفة .
متى تتولى أفريقيا أمرها :
يزداد القلق الدولي الذي يصاحب أزمة أفريقيا الوسطى يوماً عن يوم، فبالإضافة لغرق البلاد في العنف، هناك قلق من تزايد العمليات التي يقوم بها جيش الرب للمقاومة بقيادة جوزيف كوني الذي تلاحقه المحكمة الجنائية الدولية، ومن تمدده في أفريقيا الوسطى. هناك أيضاً تخوف من أن يحوّل النزاع الديني والإثني بين المسلمين والمسيحين الدولة إلى ملجأ للمتطرفين والأصوليين والمجموعات المسلحة.
كانت الأزمة في أفريقيا الوسطى في طريقها للخروج عن السيطرة لولا مسارعة الوساطة الدولية والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية بتحرك حاسم. ولوضع حد لهذا العنف الذي أغرق البلاد في فوضى أمنية تبنى مجلس الأمن الدولي مشروع قرار قدمته فرنسا، يسمح باللجوء إلى القوة ، بعد أن تجاوزت الأزمة مداها وبعد أن عدلت فرنسا تبنيها لتطبيق خيار الحل السياسي أولاً .
كانت رغبة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند التي أعلنها في دكار في أكتوبر 2012م ومفادها أنّ "مستقبل أفريقيا سيبنى عبر تعزيز قدرة الأفارقة على أن يديروا بأنفسهم الأزمات الأفريقية" ،هي سيدة الموقف. ففي 27 ديسمبر 2012م رفض الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند التدخل العسكري الفرنسي في أزمة إفريقيا الوسطى، معتبراً أنّ زمن التدخل العسكري قد ولّى، وكمحاولة منه لتجميل صورة فرنسا وإنهاء دورها كشرطي في أفريقيا. واكتفت فرنسا وقتها بنشر قوة  مكونة من 250 جندي في مطار بانغي لحماية رعاياها  وإجلائهم عند الحاجة. ولكن حدث تغيير دراماتيكي في موقف فرنسا لعبت فيه الأحداث في الوطن العربي وأفريقيا نفسها دوراً كبيراً .
سبق تلك الأحداث، تدخل الجيش الفرنسي في ساحل العاج في 2011م. ثم أنّ فرنسا كانت هي أول من نفذ الضربات الجوية على قوافل القذافي، إذ قامت الطائرات الفرنسية بأكثر من 25% من الطلعات الجوية في ليبيا في عمليات حلف الناتو التي ابتدأت في مارس 2011م ، وكان ذلك في عهد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. أما في عهد الرئيس فرانسوا هولاند فقد كان التدخل الفرنسي في عمليات القتال في مالي فور صدور قرار مجلس الأمن في 10 يناير 2013م وبعد أقل من عام من توليه رئاسة فرنسا، وذلك على إثر مطالبة مالي بالتدخل الدولي لمواجهة جماعات إسلامية متطرفة مسلحة استولت على شمال البلد. وقد بلغت القوات الفرنسية في مالي في ذروة عملياتها هناك نحو 4500 جندي، وذلك في فبراير 2013م.
من الصعب على فرنسا أن تغض الطرف عما يجري في أفريقيا خاصة في مناطق نفوذها التاريخي،فالرغبة في استعادة ذلك الدور دفعتها لذلك بالرغم من الصعوبات المالية التي تواجه وزارات الدولة المختلفة بما فيها وزارة الدفاع.
كما أنّ فرنسا تسعى إلى أن تكون رقماً مهماً في مجال مكافحة الإرهاب ، خاصة بعد تراجع مكانتها أوروبياً. وكذلك هي تنظر تحت قدميها مباشرة للفائدة الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها من هذه التدخلات فبعد انتهاء عمليات حلف الناتو بليبيا دخلت الشركات الفرنسية بثقلها الاستثماري في قطاع النفط الليبي.ومتوقع أن تبدأ جني ثمار تدخلاتها في مالي مما تختزنه منطقة شمال غرب أفريقيا من موارد أهمها اليورانيوم والغاز والذهب والكوبالت. أما بالنسبة لأفريقيا الوسطى فإن جفن فرنسا لا يغمض دون مخازن اليورانيوم والذهب والألماس الذي يعتبر أهم عائدات التصدير في الدولة (54 %).
وفرنسا التي حصلت على تفويض من مجلس الأمن الدولي للتدخل في أفريقيا الوسطى،نشرت حوالي 1200 جندي على أراضي أفريقيا الوسطى لتنضم إلى القوة الأفريقية المشتركة "ميسكا" المنتشرة بالفعل في البلاد بحوالي 6 آلاف عسكري. وقد يتم عون القوات الفرنسية بمساعدة لوجستية محدودة قدمتها بريطانيا في إعلان لوزارة الدفاع البريطانية، بينما جاء العون الأمريكي في شكل مساعدة بلغت 40 مليون دولار لقوة الاتحاد الإفريقي في إفريقيا الوسطى.
قبل أن يرى مقترح "القوة الأفريقية الاحتياطية" النور والذي يتوقع ألا يتم إلا في 2015م، لا يبدو أنّ الدول الأفريقية التي نالت استقلالها قبل أكثر من خمسين عاماً على استعداد لإدارة أزماتها، وستجد نفسها مستنجدة بمستعمِراتها السابقة والتي ستدفع إليها بقواتها حين تهددها الأزمات.
القلق السوداني :
تقلصت حدود دولة أفريقيا الوسطى مع السودان بعد انفصال جنوب السودان عام 2011م ، من 1070 كيلومتراً إلى 380 كيلومتراً، وذهبت مساحة من الحدود المشتركة إلى الدولة الجديدة. ولم تنقص أهمية الدولة الجارة التي تتداخل قبائلها مع السودان شيئاً ، بالرغم من أنّ علاقة السودان مع أفريقيا الوسطى تأتي من تحت عين الوصاية التشادية. ففي قمة الخرطوم في مايو /أيار 2011م والتي كانت بغرض إنشاء القوات المشتركة لحماية الحدود وتنشيط البروتوكول العسكري بين السودان وتشاد، تم إشراك جمهورية إفريقيا الوسطى ضمن منظومة القوات المشتركة السودانية التشادية . وجاء الزج بأفريقيا الوسطى بسبب موالاتها لتشاد وليس لأسباب تباحثتها الخرطوم لوضع أهمية هذه الدولة بالنسبة للسودان في عين الاعتبار.
أهمية الدولة تأتي من حدودها المباشرة لإقليم دارفور الذي يشهد حرباً منذ العام 2003م وبسبب هذه الحرب حدثت زعزعة وفوضى أمنية في الإقليم، حتى بات تحرك العصابات على الحدود والتي تستتر بنشاط الحركات المتمردة في كلٍّ من السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى أمراً عادياً.
لن يكون من الحكمة تدخل السودان في هذا الصراع بخلاف إعلان اهتمامه بما يحدث في دولة أفريقيا الوسطى إلا بمقدار القلق الإقليمي العام. فموقف السودان يكتنفه كثيرٌ من التعقيد بسبب الصراعات في إقليم دارفور وملاحقته الحركات المتمردة في هذا الإقليم. وإذا كانت هذه الحركات تتمتع بدعم السلطة اليوغندية فإنّ الإقليم سيكون مستباحاً أيضاً بالنسبة للقوات اليوغندية التي تلاحق جيش الرب بعد تمدد قواته في أفريقيا الوسطى. كما أنّ السودان يشهد اخفاقاً متوالياً في مجال اللوجستية والتدريب خاصة إزاء التهديدات الحدودية مع جيرانه في أوقات الاضطرابات والأزمات العصيبة. ولو دخل السودان هذا الصراع سيكون محسوباً على الإسلاميين الذين تولوا السلطة مما يظهر موقفه وكأنه تكتل أصولي ستسعى القوات الدولية وفرنسا إلى دحره سريعاً، خاصة مع إشادة واشنطن بـزعامة الجيش الفرنسي في أفريقيا الوسطى.
وموقف السودان هذا بالإضافة للأسباب السالفة الذكر،ساهم في تشكيله، تجاهله المتعمد  في اللقاءات الإقليمية والدولية التي تمت بشأن أفريقيا الوسطى منذ اندلاع أزمتها. فلم يكن السودان عضواً في لقاء المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا ، كما أنّه لم يكن مرغوباً في حضوره قمتي باريس السابقة والأخيرة التي انعقدت في 7 ديسمبر الجاري من ضمن ست دول أوضحت فرنسا أنّ قادتها يواجهون مشاكل مع القضاء الدولي.
هذه الحالة التي تعاني منها دولة أفريقيا الوسطى تعكس بشكل فاضح حالة عدم الاستقرار السياسي التي تعيشها معظم بلدان القارة الأفريقية، نسبة لسيادة الأنظمة الاستبدادية ومحاولة تغييرها بعنف مقابل. وعدم شرعية هذه الأنظمة أدى إلى غياب دولة القانون، فمنذ استقلالها لم تستطع معظم الدول الأفريقية الوصول إلى صيغة تشريع فعلي للسلطة الرسمية واعتمدت في غالبها على القوانين المستوحاة من الأنظمة القبلية مما منع مفهوم الدولة الحديثة من أن يتنزل على هذه الأنظمة كتطبيق عملي مبني على دولة المؤسسات الديمقراطية.
(عن الجزيرة نت)



moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]