كيف لا

كل يوم تشرق فيه الشمس على برامج القنوات الفضائية السودانية تزداد قناعتنا بأنّنا بحاجة إلى إعلام مستقل سواء أكان مرئياً أو مقروءاً أو مسموعاً . صادف رداءة المحتوى الإعلامي الداخلي وبدائيته وعدم تطوره بل نزوله إلى مستوىً تسميه وسائل الإعلام الغربية ب"النوم مع الحكومة" كناية عن تواطوء الإعلام في كشف الفساد الحكومي وموالاته له. صادف ذلك ظهور مجموعة بثت أخباراً عن بداية بث فضائي لقناة معارضة وذلك في شكل غير رسمي تمثل في فتح بوستات في منتدى سوداني شهير. وكل ما حصدته هذه البوستات هو بث آيات التقدير لأصحاب القناة المجهولين على مشروع لم تكتمل أركانه، وشكرهم على فكرة تفتقر لأقل مقومات إقامة المشاريع الإعلامية فما بالك بمشروع بحجم قناة وضعت لها أهدافاً بقدر معاناة أهل السودان وآلامهم.
يتضح من نوع الخطاب أنّ هذه المجموعة ساخطة ليس على الواقع فحسب وليس ضد الحكومة وحدها وإنما هي ضد المعارضة أيضاً بينما تسمي نفسها ب(قناة المعارضة)! فبعد كل ثلاثة أسطر يظهر كيلاً طائشاً من الشتائم غير موجه إلى أهداف محددة .  
وإلى هذه اللحظة ظهر كل الحديث عن القناة بأهداف مشتتة وغير واضحة إلا في عدائها للنظام والمعارضة معاً، كما انتهج نوع خطاب واحد لا يخرج ولا يترفع عن أساليب السباب والشتم للخصوم المحددين والافتراضيين والذين كانوا هدفاً للإعلان عن هذه القناة. وكما أنّ هناك نوع من عدم المؤسسية فيتضح منذ البداية أنّ هناك عدم اتفاق على تسمية هذه القناة ، فقد ظهرت قبل أن تبدأ بثلاثة أسماء ، كل مرة يتم الإعلان المجاني لها في المنتديات باسم مختلف فهي تارة (قناة المعارضة) وأخرى (قناة سوداني المعارضة) وثالثة (قناة السودان مباشر). فإذا كانت القناة واحدة فلم الاضطراب في التسميات، وإذا كانت هذه ثلاث قنوات يوعدنا الفضاء الإعلامي المعاصر بأنه ستتنزل علينا بركات برامجها فعلى الوطن السلام.
يقع القائمون على أمر هذه القناة في خطأ فادح وهو الرهان على استعداء الدول للنظام السوداني ، وعلينا أن نفرق هنا بين معاداة النظام ومعاداة السودان. وإذا كانت هذه القناة ترجو البداية مستقلة فإنها يجب أن تبتعد عن أي تحالفات سياسية خاصة الخارجية، وتنتهج الحياد والموضوعية في عملها. فلم يكن موفقاً أبداً اعتمادها على ما أسمته الخطة الأمنية المصرية للرد على  "التدخل السوداني الرسمي في الشأن الداخلي المصري"، وترتيبها على أساس ما أوردته بأنّ مصر ستمد المعارضة المسلحة بالعون اللازم للإطاحة بالنظام السوداني ومن ضمن هذا الدعم هو فتح قناة فضائية معارضة تُخصص لفضح النظام في السودان، و تهيئة الرأي العام المصري للتعاطي مع خطة دعم مبادرات الإطاحة به.
يبدو أنّ قناة المعارضة ما زالت في حيرة من أمرها، فهناك أسئلة لم تجب عليها وهناك أساسيات وأبجديات معروفة للعمل على أي مشروع، لم تكتمل بعد أكبرها مشكلة التمويل. عند إعلان أحد أعضائها خبر بدء البث الفضائي المباشر للقناة في مطلع يناير 2014م،عبّر عن تكلل جهود الفريق العامل بالنجاح، ولكنه لم ينسَ الإعلان عن الاحتياج إلى الدعم المالي الضروري لنجاحها واستمرارها. ثم طلب من الشعب السوداني وكل من يمتلك تسجيلات عن التاريخ المعاصر للسودان (صوتية و/أو مرئية)، تزويده بها. عاش النضال الفضائي الذي بإمكانه بعد أيام فقط إطلاق قناة تحارب النظام والمعارضة معاً بلا تمويل ولا شكل قانوني معروف ولا برامج وقد تكون بلا موقع تثبت عليه قمرها.
(عن صحيفة الخرطوم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.