كيف لا

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لا أذكر كم مرة قابلتني هذه الجملة المنطوية على فعل التجريم وبايقاع عالٍ جداً في صدر صفحات تستعرض الجرائم وجلسات المحاكمات عليها، مثل صفحة (دفتر أحوال) في هذه الصحيفة وغيرها كُثُرٌ. ففي صحف أخرى تتعدى هذه الأخبار المزعجة الصفحة الواحدة ويستغلها أرباب تلك الصحف كصفحات إثارة داخل صحف رسمية ورصينة. وهذه الأخبار رغم إثارتها للاستياء إلا أنّها – وللأسف الشديد- واقعية بدرجة يصعب غض الطرف عنها، فنشرها ونشر الأحكام الصادرة بشأنها يؤدي دوراً تنويرياً توعوياً للمجتمع ويعكس حقائق ناتجة عن مشاكل اجتماعية وأمنية لا ينفع تجميلها  وتذويقها بل أخذها كما هي للوصول إلى سبل لمعالجتها.
ولكن أين يقع فعل الرقص من الإعراب في مثل هذه الصفحات؟ الخبر الأول جاء بعنوان :"القبض على رجال أعمال وطلاب في حفل ماجن بسوبا". وفي متن الخبر التفصيلي نصل إلى جملة :" وقامت الشرطة باستقصاء الحقائق وبمداهمتهم ضبطوا في حالة رقص".
الخبر الثاني هو " داهمت شرطة النظام العام إحدى الصالات الشهيرة بالخرطوم وألقت القبض على ستة متهمين بينهم طلاب جامعات وفنان معروف في حفل حناء أقيم بدون استخراج تصديق" ويواصل الخبر إلى أن يصل:" وبمداهمة الصالة تم ضبط المتهمين في حالة رقص". في هذا الخبر العجيب لا تدري أين الجرم الحقيقي وسط مجموعة إدانات مصبوبة صبّاً في قوالب تجريمية لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع. فهل الإدانة هي في وجود عدد من طلاب الجامعات مع أشخاص عاديين في الحفل، أم هل هي الحناء من أجل حفل التخرج والتي درج عليها طلاب الجامعات في الآونة الأخيرة ولم تلفت الأنظار من قبل لا بوصفها ظاهرة ولا جرماً يستحق العقاب؟ أم هل هي عدم استخراج تصديق، وهل التصديق الذي يستخرج نظير مبلغ مالي يدفعه أي شخص لإقامة أي حفل للجهات المعنية سيجعل الحفل ومقيميه في حِلّ عما يجري داخل حفلتهم؟ أم هل هو التلبس في حالة الرقص التي عمّت البلد من أقصاها إلى أدناها.
أما الخبر الثالث فهو مطالبة نائبان برلمانيان مشهوران بانصرافيتهما عن قضايا أساسية وإثارة معارك دون كيشوتية داخل البرلمان،  بمثول وزير الثقافة والإعلام أمام البرلمان ومساءلته بشأن السماح لمنظمة يس أكاديمي الأميركية بإقامة حفل هيب هوب في الخرطوم وإقامة دورة لتدريب الشباب على الرقص والموسيقى. وموضوع الخبر الأخير أوفاه الأستاذ ضياء الدين بلال حقه بأسئلة محددة ومنطقية في مقالين منشورين بالغراء صحيفة السوداني. فلو تمت الإجابة على أسئلته لحلت جميع الألغاز المتعلقة بالعبارة التي درجت عليها الصياغة الأثيرة لدفاتر شرطة النظام العام وهي"متلبسون في حالة رقص".
أما هذه البلاغات فقد تم تدوينها تحت أشهر مادة في القانون الجنائي لسنة 1991م وهي المادة (152) ونصها هو :"من يأتِ في مكان عام فعلاً أو سلوكاً مخلاً بالآداب العامة أو يتزيا بزي فاضح أو مخلّ بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يجاوز 40 جلدة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً".ومعلوم حتى لغير القانونيين أنّ هذه المادة واسعة بحيث فشلت في تحديد ماهية هذا السلوك المخل بالآداب، مثلما فشلت تدوينات بلاغات الشرطة في الحالات المذكورة عن تحديد معنى المجون وحدوده، بل تُرك تقدير ذلك لها. ولو أنّ واضعي القانون أو الشرطة التي تطبقه قاموا مشكورين بتوضيح هذه العبارة والأسئلة المتعلقة بها، لكان أسهل بكثير من المجهود الذي تشكل به الشرطة فُرُقها ومتحركاتها حتى تداهم حفلاً تسميه ماجناً لأنّ به "متلبسون في حالة رقص"!
(عن صحيفة الخرطوم)