كيف لا

هي بالطبع ليست أكبر سرقة في تاريخ السودان، سرقة تمثال أماني شاخيتو  41-12 ق.م أشهر ملكة  في تاريخ السودان ومملكة مروي، ما لم يثبت لنا كتاب "نساء حكمن السودان قديماً "ذلك.تقول القصة التي جاءت في كتاب صلاح عمر الصادق الصادر عن الهيئة القومية للآثار والمتاحف ومن مصدر بعنوان "أكبر سرقة في تاريخ السودان " لطارق حسين أبو صالح  :" إن هرم أماني شاخيتو قد تم هدمه بواسطة الطبيب الإيطالي فرليني في عام 1834م وهو يبحث عن كنوز مملكة مروي". ويؤكد الكاتب من مصادره أن هذه الآثار التاريخية الثمينة قد تجمعت في متحف ميونخ بألمانيا.
الحديث عن التاريخ بشقيه المعنوي والمادي، المكتوب حديثاً أو المخطوط على ورق البردي، المسموع والمحسوس مادياً متمثلاً في الآثار وما يوجد في المتاحف، حديث مفرط في الحساسية عند أقوام يدركون قيمة هذا التاريخ وآثاره ، أما بالنسبة لنا فعندما يرتبط بهذه الآثار أي حديث عن سرقة ما، فغالباً ما يخالج نفس المطلع كثير من الشك في وجود الأثر حقيقة حتى قبل السرقة.والحديث هنا ليس بسبب الاعتراض على تأسي الكاتب على حضارة "سادت ثم بادت"، ولكن على تعبير "أكبر سرقة في تاريخ السودان "،لأنّ أكبر سرقة هنا مطلقة بالنسبة لتاريخ يمتد منذ ما قبل الميلاد إلى يومنا هذا.
الحديث عن سرقة الآثار وضرورة حمايتها بالشكل الذي نرى يتم بشكل فردي من مهتمين دون تدخل الدولة بوزاراتها للثقافة ومؤسساتها المتفرعة، ودون أن تقوم أي قائمة لها لنفض الغبار عن ما تبقى من آثار في كرمة ومروي وغيرهما، أو تقوم بجرد تاريخي لما هو موجود أو ماكُتب عن تلك الحضارة التي تنطوي عليها ثقافة بلد كامل. لذا فإن الحديث عن سرقة الآثار لا يعدو أن يكون نتاج ثقافة فردية غير  منطلقة عن ثقافة جماعية حيوية، مما يجعل هذا الحديث المفرط في تأويلاته يتأرجح بين مسئولية الفرد المهتم بشؤون الثقافة وبين المسئولية الجماعية لمؤسسات الدولة. تارة نجد هذا الموضوع مكتوباً ومنشوراً يتم العثور عليه بالصدفة وتارة أخرى نجده مكتوماً في جوف الندوات الثقافية التي لا يسمع بها المسئولون عن الثقافة ولا يقرأون عنها.
انظر كيف قامت قيامة مصر عندما أُكتشف بعد ما يقارب القرن من الزمان أن تمثال نفرتيتي  قد تم تهريبه بواسطة علماء آثار ألمان ،وكيف يقارع مثقفيها حجة ما خطه الكاتب الإسرائيلي  إمانويل فلايكوفسكي عندما أشار إلى أن معبد الملكة حتشبثوت هو تقليد لمعبد سليمان في أورشليم‏، بحجة ناجزة وهي أن عصر حتشبثوت قد سبق عصر سليمان بأربعمائة سنة .الفرق أنه عندما يُسرق النصف الأعلى من نفرتيتي تكون قد تمت سرقة مصر كلها، وعندما تُسرق أماني شاخيتو مع محتويات عرشها لا تعدو أن تكون سرقة أثر.
تلك سمات ثقافية لا يتم تلقينها للشعوب وإنما تجنح إليها بالفطرة التي تمنح قيمة عليا لنتاج البلد الثقافي مهما تواضعت قيمته ، وترى في الحفاظ على هذه القيمة حقاً وطنياً وواجباً في الدفاع عن وجوده وصونه.فهل تتحقق هذه الصناعة الثقافية البسيطة عند أي من مؤسساتنا الثقافية الرسمية؟ وقبل الإجابة فليقف أي مؤرخ سوداني ويحدثنا عن مملكة مروي ونبتة بأكثر مما جاء به المستشرقون، ليحدثونا عن كل نكسة تاريخية مر بها السودان وليدونوا بنفس الحماس سرقات الطرق والجسور وسرقة عرق الغلابى وأحلامهم ، أليس هذا مما يتوجب تدوينه من ضمن أكبر السرقات التاريخية في السودان.
(عن صحيفة الخرطوم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.