كيف لا

تقع على عاتق المجلس الوطني (البرلمان)  اليوم الكثير من المهام على رأسها تفعيل الدور التشريعي والرقابي للمجلس . ومن أهم هذه البرامج هو تحديد عمل اللجان المختصة التي من المفترض أن تكون مستقلة استقلالاً كاملاً حتى تستطيع المساهمة  في تفعيل دور البرلمان وتربطه مباشرة مع الجمهور ، كما من المفترض أن تعيد الثقة في دور النائب كما هو متوقع منه وذلك للتعبير عن متطلبات جمهوره. ولكن ما يحدث لا يعبّر عن هذا ولا ذاك ، ففي البرلمان السوداني لجان مختصة تستمتع لشرح الأجهزة التنفيذية ولكنها في النهاية تثمّن دور هذه الأجهزة وتمدحها دون صوت نقد واحد أو ابداء موقف محايد ليترك الأمر للجمهور .
استمعت صباح أمس الأول ، لجنة الشؤون الخارجية والأمن والدفاع بالبرلمان لشرح مفصّل من مدير جهاز الأمن والمخابرات الفريق أول محمد عطا حول الأوضاع الأمنية بالبلاد بالتركيز على الأحداث الأخيرة التي شهدتها ولاية الخرطوم ومدينة مدني التي أعقبت رفع الدعم عن المحروقات . ولكن في نهاية التقرير الذي ورد على موقع المجلس الوطني الإلكتروني  أنّه بعد استماع الأعضاء لإجابات مدير جهاز الأمن لأسئلتهم واستفساراتهم حول تداعيات الأحداث الأخيرة ثمنوا دور جهاز الأمن والمخابرات وإسهامه في حفظ الأمن والاستقرار في البلاد . النقطة المثيرة هنا ، هي إذا كان دور جهاز الأمن والمخابرات هو حفظ الأمن والاستقرار في البلاد فما هو دور جهاز الشرطة في أوقات السلم وما هو دور جيشنا الباسل ووزارة دفاعه في مناطق النزاعات وزمن الحرب .
لا نقول إلا الحمد لله الذي تطورت فيه صور نواب البرلمان في الصحف والتلفزيون من مستسلمين إلى  سِنة من النوم والتي كانت تلازمهم في جلساتهم المطولة إلى صورة أخرى وهي الاستيقاظ لأداء واجب التثمين والإشادة .ويحدث ذلك نظراً لضرورات المرحلة التي اتسمت بعقد "الاجتماعات العاصفة" و"الحاسمة" و"الجلسات الساخنة" . فلا يليق بنواب في ظل العصف والحسم والسخونة الاستسلام للنعاس اللذيذ ، لتركز كاميرا التلفزيون على منظر النائب الطرفو نايم وصاحي .
في قصة صعود الإمبراطورية الرومانية وسقوطها ، حكم كثيرة تبدأ من قصة الإمبراطور "كاليجولا" الذي جلس على عرش روما لمدة 29 عاماً ، وطيلة هذه السنوات كان يمنح عضوية برلمان روما لخيوله وحميره بدلاً من أشراف المدينة . والاستشهاد بهذه القصة المتداولة منذ حدوثها وحتى الآن في أنّه يمكن اسقاطها على راهن الحال السوداني ،لتتنزل على واقع الحال هذا وذلك لأن خيول وحمير برلمان روما كانت تنفذ تعليمات رئيس البرلمان الإمبراطور دون نقاش ، وهكذا قد يفعل بعض التوابع الجدد الجالسين على مقاعد غيرهم .
هناك قصة أخرى أكثر إثارة ، يُحكى أنه لما طمع قيصر روما في مصر وأراد الظفر بقلب ملكتها كليوباترا قال لها في لحظة ما : "أنتِ أهم من روما" . لم تنته هذه الجملة حتى كانت نهايته في قاعة البرلمان وبردائه الأبيض ، عندما صرخ أحدهم في وجهه : "روما أهم منك ". لا خير فينا إن لم نستفد من التاريخ ، والبرلمان ليس للتثمين والمجاملات واحتفاء النواب بالقرارات الفوقية وإنّما للمناقشة الموضوعية لأي قانون أو قرار يزمع تنفيذه . وبما أن ذاك زمان روما وهذا زماننا فإنه قد يكون من النبل اكتساب بعض الشجاعة ولا بد من أحد في النهاية أن يقف ويهتف في وسط قاعة البرلمان : السودان أهمّ .
(عن صحيفة الخرطوم)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.