كيف لا

جاء في طبقات ود ضيف الله أنّه حتى قيام مملكة الفونج ، كان إسلام أهل السودان إسلاماً صورياً ، لم يعرف طريقه إلى كثير من أمور الناس الحياتية إلا بعد القرن السادس عشر الميلادي ، وذلك بعد قدوم علماء منتمين إلى الطرق الصوفية المتعددة من بعض حواضر الثقافة الإسلامية .
وقد كان ارتباط الناس الوجداني بشيوخ الطرق الصوفية كبيراً ، وازداد بتقديمهم الحماية لهم من بطش الحكام وظلمهم ، كما كانوا يلجأون إليهم في مناسباتهم الاجتماعية وأمورهم الخاصة والعامة . أمّا الآن وقد تصاعد بريق " الشيوخ" مرة أخرى ولمعت أسمائهم وازدادت شهرتهم ، فبقدر النأي عن وضع حكم قيمي على نجومية الشيوخ مورثّي الطريقة أو متخذيها ، بقدر ما هو مهم معرفة أسباب استحضار هذه النجومية من الماضي .
من الصعب أن يسلّم المجتمع السوداني بأن مسألة نجومية الشيوخ ، ظاهرة ذات بعد سياسي أو أنها قابلة للتوظيف سياسيًا حتى لو اعترف الشيخ نفسه بأنه ينتمي لحزب معين "بالفطرة " أو " بالوراثة " ، مثلما ذكر " الشيخ عبد الله أزرق طيبة " في مسألة انتمائه للحزب الاتحادي الديمقراطي . وحتى لو أمّ نشاطات الحزب وقاد الدعوة إلى تقرير قضية المشاركة بالحكومة ، ذلك لأن " المشيخة " في السودان تمثل ضرباً من ضروب الزعامة الدينية الروحية  التي لم تخف قوتها يوماً ، كما لم تؤثر موجات الحداثة  على شكلها العام وإن تغيرت بعضٌ من فلسفة المضمون . استطاعت قوة هذه الزعامات تطوير طريقتها لتضطلع بعدد من الوظائف الفكرية في مواكبة العصر المتزايدة تغيراته والتي لم يكن باستطاعة العلماء التقليديين الإيفاء بها .
وفي حالة  " أزرق طيبة " خليفة العركيين ورئيس السجادة القادرية كنموذج ، فهو من طائفة الشيوخ الذين ينتمون إلى نمط المرجعيات الدينية التقليدية ولكنها في نفس الوقت مؤمنة بما يطلق عليه حديثاً  " الفقه المتحرك ". فهو ينتمي إلى المرجعيات غير الجامدة والمحافظة كذلك ، التي تستجيب لمتطلبات العصر ومشاكله وضغطه وتلاحق مستجداته وليس ذلك فحسب بل  ينتمي إلى جيل الشيوخ المنفتحين على الثقافات المعاصرة والذين يمتلكون رؤية واضحة في المسيرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
وبالرغم من عدم وجود تكليف شرعي إلزامي بالتقيد بأوامر مرجعية الزعامة الدينية ، إلا أنّ التأثير الاجتماعي لشخصية الزعيم الروحي والكاريزما التي تصاحبها وقوة مواقفه وجرأتها وحجم الصلاحيات غير المخطوطة التي يتمتع بها بالإضافة لرفعة مستواه الأكاديمي ووضعه الاجتماعي ، ثم مدى تفاعله مع القضايا العامة  ، هذه كلها تزيد من تأثيره وتثبت من مرجعيته .
وقد يكون واحداً من المؤشرات الأكثر دلالة في هذا السياق ذلك الفزع الذي انتاب بعض "صقور المؤتمر الوطني"، حين اتصل بالزعيم الراحل جون قرنق ثم مراسلات لزعيم الحزب الشيوعي السوداني الراحل محمد إبراهيم نقد ثم احتفائه بزيارة باقان أموم قبيل انفصال جنوب السودان.
كانت الزعامات الروحية وما زالت أمراً واقعاً ومن صميم المجتمع السوداني ولا يمكن تجاهلها ، وليس هناك من سبب للضجة المصاحبة لتحركاتهم إذا كانت بالتضخيم السلبي أو الإيجابي. وما دامت هذه التحركات تنأى بنفسها وتعفُّ عن الخوض في أوحال الطائفية والقبلية وتدعو كذلك للحوار الجامع الذي يؤلف الكيانات المتنافرة في كيانٍ قوميّ شامل ، فما المانع من التعاطي معها باعتبارها واقعاً اجتماعياً إيجابياً يجدر التعامل معه بما يخدم المجتمع ويحصنّه لا محاربته.
(عن صحيفة الخرطوم)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.