كيف لا

هل نحن شعب يهتم بالفن؟ هل نتعاطى الفنون ونقدرها؟  الواقع أن أسئلة كهذه قد يعتبرها البعض أسئلة أولية لموضوع ثانوي. وتنزوي مثل هذه الأسئلة وسط  انشغال المواطنين بأزمات الغلاء الطاحن، والتحايل على عتمة ليالي الخرطوم بالنوم منذ العاشرة مساء ، لضمان البكور لكسب لقمة العيش بالأحلام التي لا تخلو من كوابيس مرعبة ينتظرنا بها الغد ورتابة أيامه الخالية من أي بشرى حتى ولو كانت ستحققها معارضة ال100 يوم. ليس هذا كل شيء بل مئات التفاصيل التي ظلت تحاصرنا ومنذ زمن وهي لا تخرج عن دائرة مشاكل الحياة اليومية وهموم كسب العيش ، زائداً المناطحة في الصخر من أجل حق التعليم، والعلاج وقائمة الحقوق تتقلص لتصل إلى حد السترة فحسب.كل هذه الأشياء تدفع الناس للانكفاء واعتبار حضور حفل غنائي أو عرض مسرحي أو عرض تشكيلي نوعاً من الرفاهية.
ولأن كل الفنون التي ابتكرها الإنسان هي نوع من المغامرة أو مغادرة المألوف إلى غير المألوف فإنّ الأزمات التي نمر بها باعتبارها أصبحت شيئاً مألوفاً ورتيباً ، أقترح أن نعمل على الخروج من رحم مأساتها إبداعاً في شتى ضروب الفنون . وما زال هنالك مجهولاً كبيراً ومقلقاً في حياتنا اليومية ينبئ بخلق إبداع متخيل مفترض يحاكي الواقع ويتفوق عليه كونه مغامرة مسيطر عليها وكل أدواتها حاضرة.
لقد بدأت العلاقة بالتعقد أكثر فأكثر ما بين الفن ودوره في المجتمع، ذلك الدور الذي  يظل مبنياً على الفطرة ولم يتم تطويره بالقدر الذي تطورت به العلوم والآداب الأخرى. فالمجتمع البدائي مثله مثل المجتمع المتحضر يحس الفن ويعيشه، ولكن الفرق من يملك ملكة ووسائل التطوير.
هذه العلاقة أثارت جدلاً واسعاً حول مفهوم الفن وعلاقته بالظواهر الاجتماعية المتغيرة، والطريق الذي يسلكه الفن إلى الإنسان مؤثراً عليه حسياً ومعنوياً. إلا أنّ ما أثير بشكل أكبر، كان حول ما إذا كان جيل اليوم قادراً على إنتاج فن له وزنه وقدرته على التأثير والإقناع .ونسأل دائماً أين الجديد في الألبومات الغنائية مثلاً ، فرغم أن ظاهرة إعادة إنتاج الأغاني القديمة بأداء جديد وتوزيع موسيقي جديد، وجدت قبولاً كبيراً لدى جمهور المستمعين إلا أن اعتماد الفنانين الشباب على أغاني الحقيبة يعكس فكرة  الاستسهال والكسب السريع . وهذا لم يمنع  عدد من الأعمال الجيدة والأفكار الموسيقية الراقية من أن ترى النور بمجهودات ذاتية  اكتسبت احتراماً مقدراً لأنها احترمت قدسية الفن .
لا نزال نتعثر ولا نزال نحتاج فناً غنائياً تتناسق عوالمه بين اللفظ والمعنى ، وتتدلى ألحانه قناديل من بين دفتي عذاب التكوين لتتحول كل الأغاني " الهابطة" من عبثية الاشتهاءات إلى العزوف الجميل . هذه ليست دعوة للرجوع إلى عهد أغاني "الحقيبة" ، فقط يكفي أن تتدثر أغنياتنا الحديثة بمعاني حبها العذري والذي استطاع أن يحول كل أغنية من أغاني ذاك الزمن الجميل إلى عاشقة تغوي سامعها بفتنة ألحانها ليغرق في سحر جنونها الجميل. وما نحتاجه فعلاً هو فن درامي منفلت من رتابة الاستنساخ تتشكل وقائعه المضاهية للواقع السوداني من كدح الغلابة وغير بعيد عن حياتهم اليومية ،كيف يأكلون وكيف يمشون بين حقول أحلامهم المثقلة بالقمح وبساتين أفكارهم المثقلة بالفاكهة. نحتاج إلى فن تشكيلي ينقش في ثوب الحضارة التي تستلقي فوق كاهل تاريخنا الإنساني المأزوم، حيث يحملنا أثير الألوان نحو وطن نحلم به يبنى من ألوان النيل والمطر وخيوط شمسنا المتوهجة.
(عن صحيفة الخرطوم)




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.