كيف لا

في أغسطس الماضي ووسط الأحداث المتسارعة كان هناك خبر صغير ، لا يشد  القاريء بصياغته ولن يكون أعظم من الفواجع التي تلته ولكنه كان أكثر إيلاماً . ينبه الخبر إلى أي مدى ودرك سحيق وصلت قيمة الإنسان السوداني. مفاد الخبر أنّ اسرائيل ساعية في ترحيل مهاجرين سودانيين وأريتريين يزيد عددهم عن 50 ألفاً ، من أراضيها وإعادتهم مرة أخرى إلى أفريقيا. وستكون أرض الهوان هذه المرة هي يوغندا التي ستأخذ مقابل الرأس الواحد مبلغ 8000 دولار،أما تكملة الصفقة فهي إمدادها بمدفعية وبنادق وقذائف مورتر وتحسين أسطولها العتيق  من الطائرات المقاتلة حسب مسؤولين في الكنيسيت الاسرائيلي . وإذا وقف معارضون اسرائيليون لحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو  ضد هذه الصفقة لعدم قانونيتها كونها لم تخضع للمراجعة القضائية فماذا ينتظر حقوقيونا هنا. ونتساءل أيضاً إذا لم تقع هذه الممارسة ضمن أصناف تجارة البشر المتعددة ففي أي قالب من قوالب اللا إنسانية يمكن أن تصنّف.
هؤلاء المهاجرون الذين وصفتهم إسرائيل بأنّهم زائرين بطريقة غير قانونية ويتكدسون في مناطق فقيرة بحثاً عن وظائف، سيتم ترحيلهم كما  الدواب. ولا أحد يدري كيف سيكون مصير هؤلاء إزاء تعنت اسرائيل ورفضها موقف لجماعات حقوق الإنسان بأنّ كثيراً منهم فروا من بلدانهم سعياً وراء لجوء سياسي. تصرُّ إسرائيل على التحذير من أنّ قضية هؤلاء المهاجرين الأفارقة تمثل عبئاً كبيراً على كاهل الدولة وتهدد الصفة اليهودية لإسرائيل. كما أنّ هناك عجز كامل وصمت مريب وتبلد واضح إزاء إيداع المئات من هؤلاء السجون الإسرائيلية للضغط عليهم للموافقة على مغادرة اسرائيل. كما لم تهتم الجمعيات الحقوقية ولا منظمات المجتمع المدني السودانية بالاتهامات الموجهة من الأمم المتحدة وجمعيات حقوق الإنسان لإسرائيل لإرغامها هؤلاء المهاجرين على العيش في أوضاع تشكل خطورة على حياتهم فضلاً عن انتهاك محتمل للمعايير الدولية الخاصة بالتعاطي مع اللاجئين.
واقع هؤلاء المهاجرين يغني عن سؤالهم، فقبل أن تبني اسرائيل سوراً حصيناً بمحاذاة حدودها مع شبه جزيرة سيناء المصرية حتى تحد من تدفق المهاجرين إليها، كانوا يعبرون هذه الحدود سيراً على الأقدام بمعدل 2000 شهرياً.تظاهرت اسرائيل ابتداءً بالتعاطف مع هؤلاء المهاجرين وتركتهم حتى بلغ عددهم على مدى الأشهر الثماني الماضية، ما يقرب من 60 ألف مهاجر معظمهم قادم من السودان وأريتريا.
وموقف هؤلاء المهاجرين ليس بأحسن حالاً من المهاجرين غير الشرعيين في كل الدنيا ويزيد من سوء حالهم والذي كان من المفترض أن يكون مصدراً للتعاطف الدولي معهم، لا إغراقهم في مزيد من المهانة والبؤس أنّهم فارين من جحيم الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق. هذا غير تعقيدات موقف السودان الرسمي الذي يجهر بالعداء للسامية وكراهية اليهود التي تعود في تناميها لآلاف السنين، وإمكانية السفر المختومة على الجواز السوداني إلى كل الأقطار ما عدا اسرائيل. ولا ننسى أنّ  السودان يتأثر حالياً  بعلاقات إسرائيل وتكوين حلف جديد مع دول الجوار، ولكنه يهتم أكثر بالتأثير الناتج عن علاقة اسرائيل  مع دولة جنوب السودان، خاصة وأنّ الحلف الجديد لا يقابله أي حلف آخر يعمل على خلق توازن للقوى ، غير إيران.
تتعامل اسرائيل مع اللاجئين من الدول الأفريقية الأخرى بالاتصال بسفاراتهم وقنصلياتهم لإعادتهم ونسبة لانقطاع الاتصالات المباشرة مع السودان فإنّ هؤلاء يدفعون الثمن ببقائهم فترة أطول في السجن حتى تتفق اسرائيل ويوغندا على قيمتهم ، فهل هناك هوان أكثر من هذا .
(عن صحيفة الخرطوم)
moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]