كيف لا


ليس هناك تاريخ يؤكد من قومية التلفزيون السوداني ، فهل كانت منذ انطلاقته في أوائل الستينيات من القرن العشرين أم بعد ذلك . لكن ما هو متناقل كتاريخ شفاهي وإلى يومنا هذا هو أنّ التلفزيون ضم رجالاً من المدارس الإعلامية والاتجاهات الفنية المختلفة ، من مشارب وتطلعات ورؤى وتوجهات مختلفة. وبدون تتبع للتسلسل الذي سارت عليه التسمية وتطورها إلى أن  انحدر من جهاز قومي إلى جهاز حزبي فإنّ ما حدث إنما يدل على مدى تدهور الرسالة الإعلامية وخفوتها بشكل دراماتيكي.
كان تلفزيون السودان من أكثر الأجهزة في المحيطين العربي والأفريقي تأهلاً لمعالجات فنون التراث الشعبي حيث أنّ تأثره بمدارس الإعلام العربي ونظريات الإعلام الغربية والتراث الأفريقي في بداياته ، شكلت أهم العناصر وأكثرها إسهاماً في خصوصيته الفنية والشكلية والجمالية. والمجهود الجبار الذي بدأه السابقون ولم يقو عليه القائمون على أمر التلفزيون الآن كان يعمل من خلال انتاجه الفني والدرامي على عدة قضايا دلالية هي مسائل الهوية والصراع الطبقي والمشاكل الاجتماعية . ويمكن الكشف عمّا آل إليه حال التلفزيون من أول بث افتتاحي يومي للفضائية .
جاء دور التلفزيون مكملاً لدور الإذاعة والمسرح القومي ، حيث بدأت الإذاعة السودانية في عام 1940م وبني  المسرح القومي عام 1959م بينما تم افتتاح التلفزيون رسمياً عام 1963م .ورغم الإرث التاريخي لدور الحيشان الثلاثة النابع من الضرورة الاجتماعية والثقافية حيث حكت الأعمال الدرامية الأولى عن أعمال وطنية وأخرى عالجت مشاكل الفساد الإداري ، إلا أنّه ليس هناك أي توثيق كامل لهذه الأدوار سوى المشاهدات المتفرقة لبعض الأعمال القديمة التي جاهدت في سبيل تنمية الروح الوطنية وبلورة الشخصية القومية وتسوية صراعات الهوية.
مرت تعريفات كثيرة من تحت جسر مصطلح القومية قبل أن تؤسس الفرقة القومية للفنون الشعبية السودانية في  عام 1994م. وبعد التبادل الثقافي شرقاً وغرباً، كان أجمل ظهور للفرقة في عرضها ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي السوداني باحتفالية الكويت عاصمة للثقافة العربية عام 2001م حيث قدمت الفرقة مجموعة رقصات لقبائل الشلك والزاندي والتعايشة ورقصة الكمبلا من جبال النوبة  والسيف والدرقة الكسلاوية ورقصة نوبية من حلفا ثم ختمتها برقصة العروس .لم تهنأ الفرقة بقوميتها لتنقسم على نفسها وتصبح فرقة لكل قبيلة  ثم فرقة لكل فئة عمرية.
تجاهل تلفزيون السودان في العقدين المنصرمين دوره القومي ولم ينتبه إلّا بعد ظهور قنوات مثل قناة النيل الأزرق وقناة الشروق ،وقناة أمدرمان. ورغم أنّ قناتي النيل الأزرق والشروق تحسبان على الحزب الحاكم الذي يدير التلفزيون القومي، إلا أنّ ضرورات تسويقية وترويجية معينة فرضت عليهما عنصر التجويد والتشبث بشكل بث وتوجه أكثر قومية . لكننا نجد أنّ هذا التوجه يميل إلى فكرة القومية حيناً ويعلي من شأن الجهوية حيناً آخر، حيث أنّ أغلب التوجه يتم الترويج فيه على أساس اللون ابتداءً من التقارير الإخبارية والبرامج التسجيلية حتى إعلانات شركات الاتصال وزيت الطبخ ، التي تنتجها القنوات نفسها أو يتم انتاجها عن طريق أذرعها التسويقية من وكالات إعلامية .
جهازنا القومي وروافده لم يتبنوا قضية الثقافة بوصفها قضية تساهم في نظم خيوط النسيج الاجتماعي من خلال نقلة حضارية نوعية تتراوح بين الفكرة والفطرة أو التعدد والوحدة ، ولكن فعلوا شيئاً مغايراً يجيب عليه التساؤل التالي : ماذا يكون الزج بالتراث الشعبي في الإعلانات التجارية إذا لم يكن كسباً رخيصاً من دعاية قومية زائفة.
(عن صحيفة الخرطوم)

moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
/////