كيف لا

لا شيء أدعى للتأمل في الحالة السياسية السودانية مثل التأمل في حال الأحزاب السودانية التي احترنا في وصفها بإرجاع انتمائها تارة للمعارضة وتارة أخرى للائتلاف الحكومي . لم يشذ عن هذا التشويش في التصنيف سوى الحزب الشيوعي السوداني الذي يستمسك بمواقفه الدون كيشوتية . هذه المواقف أظهرته بمظهر الحزب غير المواكب فيظهر عندما تغيب بقية الأحزاب ويختفي عندما تكون هناك فرصة للظهور .
انتهت جاذبية الحزب منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي ، وكحال كل الأحزاب الأيديولوجية التي ترتبط بأفكار كونية أو إقليمية المنشأ والأصل، يكون مصيرها مرتبطاً بمصير ومصدر الفكرة الأم. وعلى سبيل المثال انتهى حزب البعث العربي الاشتراكي بعد أن انتهت أهدافه المتمثلة في تجسيد الوحدة العربية والتحرر من الاستعمار والإمبريالية وإقامة النظام الاشتراكي العربي، وذلك لاعتماد الحزب في إيديولوجيته على شعار توحيد جميع الدول العربية في دولة واحدة تتبنى المنهج الاشتراكي، مما جعل تطبيق هذه الأيديولوجية يتطلب منهجاً وبرنامجاً عملياً واضحاً لم يكن من سبيل إلى تحقيقه. أما الحزب الشيوعي السوداني فقد رسخ في أذهان الناس بشكله التنظيمي الاستخباري الذي يعتمد على الاستقطاب للمنتمين للحزب دون الاهتمام بجانب التنظيم السياسي ودون الاهتمام بنوع العناصر وتأثيرها الاجتماعي مما أحدث انشقاقات مستمرة في الحزب منذ تأسيسه بفضل بعض الوجوه التي رأت فيه فرصة لتحقيق مطامحها الشخصية.
أخذ الحزب الشيوعي يستمد عناصر الحياة من بعض الخصوصيات والمرجعيات السودانية الخالصة. فالشيوعيون السودانيون مثلهم مثل وسطيّ إسلام أهل السودان  يصلّون ويصومون ويؤدون كافة العبادات الإسلامية وبذا فقد اكتسب الحزب أحد مصادر حياته من خصوصيته السودانية . فلا أحد يرجع الحزب إلى أفكاره الأيديولوجية الأصلية ولا إلى منبعه الأصلي لذا حينما قُبرت الشيوعية في بلدها بقي الحزب الشيوعي جناح السودان يصارع الموت وينجو كل حين .
آخر مواقف الحزب الشيوعي هو ذاك الذي يبدو في ظاهره موقفاً ممنهجاً بينما باطنه تصنعه الصدفة ، وهو يشابه إلى حد كبير موقف زعيمه الراحل محمد عثمان نقد (حضرنا ولم نجدكم) ، وهو ما حدث على خلفية رفع الدعم عن المحروقات الذي تمت إجازته من قبل المجلس القيادي للمؤتمر الوطني. فقد برز صوت الحزب الشيوعي خاصة بعد أنّ وسعت الحكومة دائرة القرار عبر إشراك الأحزاب السياسية ما عدا الحزب الشيوعي. وبين تباين وجهات النظر حول أحقية وزير المالية في رفع الدعم وبين إرجاع القضية إلى البرلمان لتمرير قرار الحكومة باعتباره ممثلاً للشعب حيث لا يستقيم قانونياً اتخاذ قرار له علاقة وثيقة بمعاش المواطنين دون أن يتم تمريره على ممثليهم ، يعلو صوت الشيوعي  مقرراً عدم مقابلة الوفد الحكومي المكون من مساعد رئيس الجمهورية السيد عبد الرحمن الصادق المهدي والسيد وزير المالية والاقتصاد الوطني، والذي كان من المفترض أن يتم مساء الجمعة 13/ 9/ 2013م. وكون الحكومة هي التي بادرت وطلبت عقد اللقاء للإستماع لمبررات زيادة أسعار المحروقات وغيرها من السلع والوقوف على وجهة نظر الحزب الشيوعي السوداني الرافضة لها، ثم استبقت اللقاء بإجازة القرار ، فلم يسع الحزب الشيوعي غير الغاء المقابلة وإعلانه ذلك .
هذا الموقف الذي اتخذه الحزب  لا يضّر الحكومة ولا يصلح المواطنين ، وذلك لأنّ الحكومة تعودت على المعاندة وركوب الرأس وعدم الخضوع للاحتجاج بالوسائل السلمية. وأخيراً لا يسعنا إلا أن نقول الحمد لله الذي هيّأ للحزب الشيوعي موقفاً حتى ولو سلبياً .


moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]