ظهرت تعابير بعض الانفصاليين من جنوب وشمال السودان أيام الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان عام 2011م ، بشكل ينبيء بأنّه لو تحقق الانفصال فإنّ الجنوب سيذهب بلا عودة أخرى إلى حضن الوطن ، ولكن ما أثبتته هذه الأيام يشي بعكس ذلك حتى ولو على سبيل الآمال . ما حدث هو تظاهر مئات المواطنين الجنوبيين  في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان مطالبين بإعادة الوحدة مع السودان على خلفية تردي الاوضاع الأمنية وتزايد جرائم القتل والنهب. والملفت للنظر أنّ هذه التظاهرة الجنوبية ضمت مليشيات مناوئة لحكومة الجنوب ومجموعات تابعة للجيش السوداني سابقاً من الذين تم تسريحهم بمجرد إعلان نتيجة الاستفتاء التي كانت لصالح الانفصال . ولكن كيف تم انفصال الجنوب ؟ وإذا كان السودانيون من الجانبين يدعمون خيار الوحدة فمن دعم خيار الإنفصال ؟
صحيح أنّه كان هناك توق كبير إلى السلام والاستقرار تم التعبير عنه ابتداءً بالتوقيع على اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) 2005م بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان ، وذلك حتى تنهي عقوداً من الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان. وبالرغم من أنّ ذاك الاتفاق لم يضع حلولاً سحرية لكل مسببات الحرب إلا أنّه كان يؤمل فيه على اعتبار أنّه بداية جديدة لعهد  المصالحة الوطنية ليس بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان فحسب وإنّما بين الحكومة والمعارضة في التجمع الوطني الديمقراطي الناشطة في الخارج وذلك كبداية في المشاركة السياسية وفقاً لبنود اتفاقية نيفاشا. وبدلاً من أن يكون هذا الاتفاق مرحلة جديدة تنهي الحرب في الجنوب وتفتح الباب لحل النزاع في دارفور كان هناك مجموعة من الانفصاليين في الجهتين لعبت عكس إرادة الشعب السوداني وخدمت غرض تقسيم السودان حتى تم ،مستفيدةً من بعض الثغرات في الاتفاق والضغوط الأمريكية التي حرصت على تحقيقه بهذا الشكل .
لا أحد ينكر الحقب السياسية الظالمة التي عاشها الجنوب في كنف الوحدة وهو يعاني التهميش والإهمال منذ استقلال السودان من بريطانيا عام 1956م. ومنذ خمسينيات القرن الماضي بدأت تتراكم مرارات التفرقة العنصرية  وهو ما أظهرته شكاوى النخب السياسية الجنوبية من أنّ مواطنيهم يُعاملون في الشمال كمواطنين من الدرجة الثانية.
الاحتكام لرأي الشعب، كان أحد أهم حقوق أهل الجنوب كما كان من حق أهل الشمال في ابداء آرائهم وفاء للتعايش التاريخي . أما حق أهل الجنوب في الاستفتاء فهو ملزم دستورياً وفقاً للمواصفات والشروط التي تم الاتفاق عليها في نيفاشا. فكان الاستفتاء عملية ضرورية حتى يتحدد شكل دولة السودان،هل يكون في ظل الوحدة أم ينقسم ويصير إلى دولتين تغالب الأولى الشكل الجديد لتصارع آمال تحقيق مصير أخرى في دارفور وشرق السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق ، بينما تغالب الثانية واقع دولة وليدة بتاريخ ملتهب.
وعندما أبرز بعض الوحدويين من النخب الشمالية بعد اتفاقية نيفاشا مسألة احترام خيارات الجنوبيين في الوحدة أو الانفصال، كان ذلك على أساس  أن يتمتع الجنوبيون بحياة كريمة في إطار الدولة الموحدة أو المنفصلة لو تم ذلك بإرادتهم  ولكن كل ذلك كان محض تمنٍّ . فآخر ما طفا على الأخبار هو إشارة الرئيس السوداني عمر البشير فى خطابه بجوبا عندما زارها مؤخراً ، وهو تذكير أمريكا والرئيس باراك أوباما بالوعد الذى قطعه علي نفسه برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان، وذلك في سياق تعاونه وتذليله لكل الصعاب من أجل تسهيل اجراءات الانفصال . واقعياً كان لا بد من احترام نتائج الاستفتاء مهما كانت ولكن عندما يتم العلم بأنّ ذلك كان وفق صفقة سياسية تجيء نتائجها عكس تطلعات الشعب إلى الوحدة الجاذبة فإنّه يعني الوصول إلى مرحلة خطيرة  تهدد مكونات السودان  ومستقبله السياسي وبنائه الوجداني الذي احتمل الكثير من أجل ترسيخ الوحدة .
إذن هناك معطيات دولية خدمت خيار الانفصال وعملت من أجله حتى تحقق، وليس النخبة الجنوبية وحدها هي التي رأت أنّ الشراكة في الحكم هي بداية الطريق لتحقيق مرحلة الدولة حتى لو لم يكن ذلك يعبّر بشكل من الأشكال عن طموح الأغلبية. هذه النظرة الضيقة هي التي انتهت بالجنوب إلى دولة مرهَقة أضناها طموح التخلص من الإضطهاد كما أضناها سلوك الصراع مع الشمال مما أورث الدولة نهجاً سياسياً ما زال يحركه الوقود الذي أجّج أوار الحرب الأهلية لأكثر من نصف قرن. ذلك النهج أعاق مسألة التخلص والانتقال من حالة الحركة المسلحة المتمردة ، كما صعب على نخبتها بعد أن تحقق الاستقلال المنشود أن يطفئوا جذوة الغبن السياسي والعرقي القديم. وعندما تقوم مجموعة من مواطني الجنوب بالتظاهر الآن منادية بإعادة السودان موحدأ فإنّ ذلك لا يغفل تاريخ الصراع القريب، ولا يريح العقل الباطن المثقل بالضيم العرقي بقدر ما يغفل حقيقة أنّ الوحدة هي قضية إحساس بوجود داخل إطار الدولة وليس قضية حدود سياسية.
(عن العرب الدولية)


moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
//////////////