كيف لا

كانت بدائية الإنسان قبل بزوغ أول خيط من إشعاع الحضارة الإنسانية تبيح له أن يفعل ما يراه بشأن الأسرى إذ كان مصيرهم أن يذبحوا أو يقدّموا قرابين للآلهة. ثم ذهب التفكير السلطوي الوحشي  إلى أكثر من ذلك بأن حلّ استرقاقهم، فقد عذبت الفرس والإغريق ونكّلت بالأسرى وعرضتهم للتعذيب والصلب والقتل. ثم تطورت فكرة الإهانة والانتشاء بإذلال الآخر الضعيف فكان الرومان يستخدمون الأسرى كوسائل للتسلية والترفيه فقد كانوا يضعونهم في أقفاص مغلقة مع الحيوانات المفترسة ويستمتع الوزراء والأمراء بمشاهدتها وهي تفترسهم.
هذا تاريخ لا إنساني ظلامي ولّى بتحضر الإنسان وارتفاعه عن بدائيته وخلقه الحيواني الشره لمظاهر القتل والتعذيب، ولكن ما لنا نعود الآن من حيث ابتدأت الإنسانية. في هذه الألفية التي شهدت صراعات حقوقية مريرة من أجل الوصول إلى قوانين ومعاهدات تحفظ للإنسان كرامته وإنسانيته وحقوقه، نجد أنّ مدير عام السجون يتوعد المضربين عن الطعام من أسرى قوات العدل والمساواة الذين تم الإمساك بهم عقب غزوة أمدرمان 2008م، بالتصفية الجسدية إذا لم يعدلوا عن إضرابهم.
خمسون روحاً في سجن كوبر يتم التهديد بإزهاقها بالإضافة إلى عبد العزيز عشر الأخ غير الشقيق لرئيس حركة العدل والمساواة، هذا غير العدد الكبير في السجون الأخرى التي دخلت في الإضراب عن الطعام تضامناً معهم . يبدو أن لا وقت لدى إدارة السجون لتقف على دواعي هذا الإضراب، لتنقله للرأي العام في صيغة تبرير أو تكذيب لما تم نشره في بيان حركة العدل والمساواة من تفاصيل لمعاملة غير لائقة تتم بحق هؤلاء المساجين. وهذه التفاصيل لم نسمع بها إلا في قصص التعذيب في بيوت الأشباح في سنّي الإنقاذ الأولى والتي نفاها وزير الإعلام أحمد بلال مؤخراً وذلك لأنّه نسي أو تناسى كيف انتقل من زنزانته في ذات السجن إلى فنادق المعارضة بالخارج ثم عاد الآن ليحمل حقيبة وزارة الإعلام في نفس الحكومة التي نكّلت به وبصحبه.
أين خلق هؤلاء من احترام المعاهدات الدولية التي تحظر تعذيب أسرى الحرب ، بل أين هي من خلق نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أوصى أصحابه بعد معركة بدر بمعاملة أسرى المشركين معاملة حسنة ، وقال لهم : " استوصوا بالأسارى خيراً ". وبهذه التوصية النبوية الكريمة جاء قول الله تعالى: " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ".(الإنسان:8). ثم أين هم من امتثال الصحابة لوصية رسول الله حين ضربوا أروع الأمثال في معاملة الأسرى. قال أبو العاص بن الربيع : " كنت في رهط من الأنصار جزاهم الله خيراً، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل، والتمر زادهم، حتى إنّ الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إليّ " . وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد قوله: " وكانوا يحملوننا ويمشون ".
ثم رأينا كيف كانت نتيجة تلك المعاملة حين عاد أولئك الأسرى إلى مكة وكل حديثهم عن كرم أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وعن محبته وسماحته.وكيف تركت هذه المعاملة الحسنة أثرها في قلوب أولئك الأسرى ، فأسلم كثير منهم.
أما حكاية سجن كوبر هذه فحكاية أخرى، هذا الحصن الحصين الذي تُزلزل بعض قوته ليهرب منه قتلة الديبلوماسي الأمريكي جون مايكل غرانفيل  وسائقه السوداني عبد الرحمن عباس ، بينما يبحث فيه أسرى الحرب عن نسمة هواء وليس تمر ولا خبز .

moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]