كيف لا

الحديث عن مظاهر محزنة أو مخجلة تتم في الشارع العام، هذا ما ليس فيه جدال ولا نقاش . والنظر إلى تفسخ القيم السودانية وضياع الأخلاق المجتمعية ، حسبما ذكر النائب البرلماني رجب محمد رجب ، فهذا مما ليس فيه من شك ، ولن تعجز العيون عن رؤية ما يتم ولا الأفئدة عن إدراك ما وصل إليه الحال العام . ولكن بالرغم من الأسف على هذا الحال فإنّ ربط الأخلاق الفاضلة بقرار جمهوري شيء فيه إجحاف على مُستقبل القرار ومصدّره، لأن الأخلاق لا تُفرض وإنما تُبث في وعي المجتمع بمحاولات تغييره إلى الأفضل تغييراً سلساً لا ينبني على المواعظ والقرارات الفوقية.
ولكن بالنظر إلى الواقع اليوم والذي يثبت فيه دون شك أنّ الزي السائد الآن هو الزي الإسلامي ، فالفتيات اليوم لا يلبسن ما كانت تلبسه الفتيات في عهد النميري ، والنساء لا يرتدين الفساتين العارية كما كنّ يفعلن في ستينات القرن الماضي . وما يحدث في حفلات اليوم أكثر انضباطاً مما كان يحدث في حفلات أوائل الثمانينات . ولكن بالرغم من هذا تفشت المظاهر السالبة في المجتمع وكثر التحرش الجنسي بالفتيات وكثرت جرائم السرقة والسطو والقتل والاغتصاب ومما لا يتم حصره في هذه المساحة . إذن الأمر ليس أمر زي شرعي من عدمه لأن الزي بكل أشكاله هو أمر مظهري ومن دون جوهر يصبح شيئاً فارغاً لا فائدة منه . فلا بد أن يتم التغيير من الداخل ، وهذا الداخل هو ما لا يمكن التحكم فيه بالقوة وبقرارات فوقية .
والتغيير ليس في توعية المجتمع فحسب لأنّ الإنسان لا يسمع ولا يستطيع الاقتناع بشيء ينمو في بيئة غير صالحة . إذن المطلوب والبديل لذلك هو إصحاح البيئة الإجتماعية بإشاعة دولة العدل والسلام . المطلوب سلام وعدل اجتماعي يعمّ الجميع ويستظل بفيه الكلّ ، لا يحتاج فيه مواطن لأن يسرق كي يطعم أطفاله أو يقتل لأنّ الدنيا ضاقت به ولم تتسع لأن يقبل خصمه معه على قيد الحياة.
لا يرى النائب رجب غضاضة في مقترحه هذا ، ولكنّي أرى الغضاضة مكثّفة في مسألة عدم استفادته بوصفه عضواً في برلماننا الموقر من الوقت الثمين الذي أهدره خاصة في ظل وجود السيد الرئيس عمر البشير. وقد جاءت مطالبته هذه مشاترة  لما ابتدره نواب آخرون بالبرلمان  وتنبيه أثناء نقاش خطاب الرئيس إلى اتساع دائرة الفقر وتمددها بين المواطنين حتى ابتلعت الطبقة الوسطى في المجتمع حسب وصفهم. وبينما نبه البرلمانيون الرئيس إلى ما يدور في المجتمع الذي هم نواب عنه، انحرف السيد رجب بمسار النقاش عن جادة مطالبتهم بضرورة ضخ أموال كافية لترقية المجال الاجتماعي، ليجد الفقير حقه من المال العام، و الحد من معاناة الناس. ولم يصل النواب إلى الإعلان عن حقيقة ضياع الأخلاق والمشروع الإسلامي في ظل وجود الفقر، إلّا بشق الأنفس مع تخريمات النائب رجب .
وضع نواب البرلمان – باستثناء رجب- يدهم على موضع الألم . وبانتظار قرارات رئاسية لحلّ مشاكل الفساد كي يتم علاج الأمراض نهائياً. حينها فقط ستُحل المشاكل الاجتماعية بشكل آلي ، لأنه سيتم بسط العدل في المجتمع وسيعود المال العام ليسدّ احتياجات الشعب ولن يكون هناك تفاوت طبقي يؤدي إلى الحقد الاجتماعي. وستكون آذان الشعب كلها صاغية لنصائح تأتي من أشخاص مؤهلين ومصدر أمانة وخلق حسن .
(عن صحيفة الخرطوم)

moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]