كيف لا

وليس المرتشين والمرابين وحدهم من أفسدوا في الأرض ، وإنّما انكشفت السُتُر عن سرقات لمليارات الجنيهات . كما وصل الأمر بدهاقنة الفساد إلى الحد الذي أجبروا فيه أحد خطوط الطيران على ترك مسارها الجوي لتتحول من حالة الغازية إلى حالة سيولة في شكل عملات صعبة لتستقر في شكل أرصدة محمية يستحيل كشف غطائها .
اعتمد المواطنون على وسائل الإعلام المستقلة على قلتها بما في ذلك الصحافة التي وقفت حائرة في وجه الفساد . اتخذت الصحافة آلية لكبح جماح الفساد المستشري يوماً عن يوم ولكنها لم تفلح ، فكان أقصى ما يمكنها القيام به هو الكشف ولا شيء غيره . وبما أنّ الصحافة غير مخولة لمعاقبة المفسدين فإنه حتى إبلاغها وتصديها لمثل هذه الحالات يتم مقابلته بمضادات للفساد الذي أصبح معشعشاً ، حتى ليخيل إليك أنّك لو رفعت حجراً ستجد تحته شبهة لفساد من نوع ما.
ولأنّه لا يختلف إثنان حول تشريع عقاب رادع لجريمة الفساد مهما كبر أو صغر شأنها ، فإنّ المفسدين في بلدنا اتخذوا أشكالاً متعددة يغطون بها جرائمهم ويمحون بها آثارها حتى يصعب تتبعها.  ولأنّ آثار الفساد تتجاوز خزائن الدولة وأموال الشعب والممتلكات العامة فإنها تخطت بالتالي آمال الشعب السوداني وهدمت أحلامه ودمّرت مستقبله وسلبت حقوقه البسيطة التي يتمتع بها رصفاؤه في  المواطنة في دول أقل شأناً ومقومات من بلدنا .
ولأنّه ليس هناك من قانون رادع لهذه الجريمة التي يرتكبها من يرتكبها بدمٍ بارد وهو متيقنٌ من أنّه ناجٍ من العقاب . ولأنه لم تفلح اتفاقيات دولية ولا إقليمية ولا وطنية لمكافحة الفساد . لكل هذا وذاك أقترح تطبيق شريعة حمورابي . وحمورابي هو سادس ملوك مملكة بابل القديمة ، وقوانينه من أقدم الشرائع المكتوبة في التاريخ البشري وتعود إلى العام 1790قبل الميلاد .
من السهل على هؤلاء الهرب من مواد الإتفاقية العربية لمكافحة الفساد والبالغ عددها 35 مادة ، ولكنه إذا تم تطبيق قوانين حمورابي فمن الصعب الاحتيال على موادها الموزعة في حوالي 195 صفحة من كتاب أصل التشريع تكونت من مجموعة من القوانين التي تعتبر الأولى في التاريخ التي تميزت بشموليتها وتكاملها  لكثير من نواحي الحياة في مملكة بابل .
أقرّت الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد صياغة أنظمة تجرم الرشوة ، استغلال النفوذ ، غسيل الأموال، الإثراء غير المشروع ، الاستفادة من عائدات الفساد وغيرها . بينما جاءت شريعة حمورابي بقوانين العقوبات التي تصب في التشريع الشهير لحمورابي:"العين بالعين و السن بالسن". وأكثر من نصف التشريعات المدونة عنه تتعامل مع أمور العقود و الصفقات و الأجور، و ما يقارب من ثلث التشريعات يتناول قضايا تتعلق بأمور الأسرة والعلاقات الأسرية كالزواج والطلاق والميراث و الأبوة و العلاقات الزوجية . وهناك أيضاً مجموعة من التشريعات متعلقة بالأمور العسكرية وهذه الأخيرة تفيدنا عند اللزوم .
أما أول ما يجب تفعيله من هذه القوانين الخطيرة هو تلك التي تركّز على قوانين وسنن وعقوبات السرقة والاختراقات التي تحدث أثناء تطبيق القانون . ثم يأتي قانون الزراعة ويقصد به رعاية الأغنام والدواب وما هو في حكمها ، وقانون إتلاف الممتلكات . ويجب ألا ننسى أنّ هذه القوانين تفرض على الناس ضرورة معرفة الجميع لهذه التشريعات وتوعيتهم حتى لا يتم التذرع بجهل القوانين واتخاذ الجهل عذراً يبرر الفساد ، أي فساد .
(عن صحيفة الخرطوم)

moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]