كيف لا

الآن فقط ينتبه وزير الإعلام أحمد بلال إلى ضرورة تحسين صورة السودان السالبة في وسائل الإعلام الخارجية . أعلن الوزير استعداد حكومته الاستعانة (بالطاغية الأمريكان ) ، هذه المرة كخبراء واستشاريين في مجال العلاقات العامة لهذه المهمة الجلل . كما أعلن عن إمكانية الدفع إن توصلوا إلى مبالغ يكون بمقدور وزارة المالية الإيفاء بها.
يتعامل الوزير مع أمر خطير كهذا ، جاء الإحساس به متأخراً وكأنه عطاء لكافتريا في أحد الأحياء الطرفية لمدينة لا تصلها خدمات الحكومة من أي نوع . فقد جاء حديثه مخاطباً ملتقى الاتجاهات الحديثة لإدارة الإعلام والعلاقات العامة والمراسم الذي نظمه مركز الفيدرالية للبحوث وبناء القدرات الأسبوع الماضي :"طلبنا من بعض مجموعات شبابية أردنية تحمل الجنسية الأمريكية ، ويعملون في مجال العلاقات العامة إجراء دراسات لتحسين صورة السودان في الإعلام الخارجي لكنهم طلبوا مبالغ مالية طائلة تعجز وزارة المالية عن الإيفاء بها".
أهكذا يُدار الإعلام ، وهكذا تُبنى القدرات؟ غريبٌ أمر العرض الحكومي هذا ، ومنطقيٌّ أمر التمني من المجموعات الشبابية الأجنبية . هذه المجموعات التي لا نعرف مجال عملها ولا خبرتها غير أنهم يعملون في مجال العلاقات العامة ، ولا نعرف الوسيلة التي يمكن أن يقوموا بهذا العمل من خلالها ، ولا نضمن المعايير الأخلاقية التي ينطلق منها عملها.
هذا الأمر برمته لا يذكّر إلا بنوعية معينة من الأفلام الأمريكية التي تكون فيها مهام ذات نوايا حسنة ، ولكن يُعهد بها إلى عملاء يسلكون طرقاً وعرة ووسائل قذرة من أجل القيام بالمهمة النبيلة الموكلة إليهم نظير مبالغ مالية . ولكن يبدو أنّ حتى هذه المجموعات الشبابية المعنية استعسرت المهمة فطلبت هذه المبالغ التي وصفها وزير الإعلام بالضخمة .  
العالم يرى ولا يحتاج لمن يأخذ عينيه من رأسه ليريه على مزاجه . هؤلاء الخبراء لو دفعت لهم مال قارون لن يستطيعوا تحويل أنظار العالم - الذي أصبحنا نستحي من صورتنا المشوهة أمامه - عما يجري تحت سماء السودان وفي باطن أرضها ، لمجرد أنك تريد أن تريهم لها على مزاجك . فكوا لجام المواطنين ، أطلقوا حرية التعبير عن الرأي ، اطلقوا سراح المعتقلين ، كفوا عن حماقات الشوارع : ضرب الفتيات ، الحلاقة للشباب وغيرها مما يتم في الشارع العام والهواء الطلق، وبعدها من حقنا أن ندرس ونتفاكر ونبحث عن سبب يشوه صورة السودان غير الذي نراه.
هذا أمرٌ يسير بالنسبة إلى شيء آخر أخطر وأهمّ، فالذي يجب ألّا ننساه هو إذا كانت وزارة الإعلام تستعين بهؤلاء الخبراء الأجانب لتحسين صورة السودان وهذا هو من صميم عملها ، إذن ما هي مهمتها أصلاً، وما هي ضرورة أن تكون هناك وزارة إعلام  بوزرائها  الاتحادي ووزير الدولة والوزراء الولائيين غير الإداريين في إدارات الإعلام المختلفة ، والإذاعة والتلفزيون والصحف الحكومية وكل ما يقع تحت هذه المسميات من أرتال البشر والمركبات والمباني والأجهزة التابعة. ماذا يفعل هؤلاء وعلى أي أساس يستلمون مرتباتهم الشهرية وعلاواتهم وحوافزهم وكل الامتيازات، وهناك من بإمكانه أن يقوم بهذه المهمة التي يرونها مستحيلة بديلاً عنهم. أقترح على وزارة الإعلام إن عزمت على أمر الخبراء الأجانب أن تحصر تركة الإعلام الحكومي أولاً قبل أن تدفع من مال الشعب الذي دفع من قبل لتشويه صورة وطنه بينما يُرجى من ماله أيضاً تحسينها أو تزيينها الآن.
(عن صحيفة الخرطوم)

moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]