كيف لا

منذ صدور الإعلان الحكومي عن استيراد السودان للقمح ، أصبحت المفردات المكوّنة لهذه الجملة على قمة النتائج في شريط البحث للمواقع الإلكترونية المختلفة .وحتى كتابة هذا المقال وصلت نتائج البحث عن قمح السودان 1300.000 نتيجة .
ويستحق هذا العنوان ( السودان يستورد قمحاً بـ 800 مليون دولار) موقعه الذي اتخذه على رأس نتائج البحث . وبالرغم من إدراك المواطن السوداني لحجم هذه المشكلة إلّا أنّه سيقف كثيراً عندما يصطدم بالحقائق المؤكدة بالأرقام والتي تقول : " إنّ واردات السودان من محصول القمح قفزت من 21.8 مليون دولار عام 1990م الى 800 مليون دولار عام 2012م. وإنّ تدفق القمح والدقيق المستورد أدى الى ارتفاع الاستهلاك من 1.5 مليون طن الى 3 ملايين طن في العام " . فبعد أن أصبح القمح عنصر غذاء أساسي في السودان كفّت أرض السودان الخصبة عن انتاجه . ومن الظلم ان نحمّل  أرض السودان المعطاءة وزر هذا الشحّ ، وذلك لأنها احتاجت لمن يفلحها فلم تجد بسبب الإبعاد القسري للمزارعين عن مزارعهم في الجزيرة وشمال السودان ، والإعلان عن خطط اقتصادية بديلة لزراعة القمح بأموال عربية وعمالة مصرية . وليس السبب كما قال وزير المالية من قبل بسبب ابتعاد الناس عن الذرة والدخن ونصيحته الغالية بضرورة العودة إلى (الكسرة) ، والتي أحدثت ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار محصول الذرة ليفقد المستهلك عنصرين أساسيين من عناصر الغذاء في السودان .
إن كانت الحكومة ممثلة في وزارات ماليتها وزراعتها ومواردها البشرية لا تستمع لصوت المواطن السوداني ، فهل هي أيضاً لا تسمع لاستنكار الخبراء الاقتصاديين من مواطني هذا البلد . فما زال هؤلاء الخبراء يدعون الحكومة ليل نهار إلى ضرورة مراجعة سياستها تجاه القمح، واعتبروها سياسة غير رشيدة، لأنها حوّلت السودان من دولة منتجة إلى دولة استهلاكية .
من حقنا كمواطنين سودانيين نرى هذه الأرقام ونطلع على الحقائق بتفاصيلها أن نخجل . نخجل لأنّ بلادنا تفقد شعار "السودان سلة غذاء العالم العربي" بعد عقود من إطلاقه عليها . ذلك الشعار الذي أطلقه بروفيسور محمد هاشم عوض بناءً على بيان صادر من منظمة الأغذية العالمية عام 1976م عندما كان وزيراً للإقتصاد في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري . تنبأت  المنظمة العالمية  بأن السودان سيكون على رأس ثلاث دول  هي المصدر الرئيسي للغذاء لبقية دول العالم، وهي بالترتيب : السودان وكندا واستراليا . رحم الله بروفيسور محمد هاشم عوض أبو الإقتصاد السوداني الذي عاش زاهداً ومات عفيفاً ، ففي عهده الزاهر وزيراً للإقتصاد ارتفع دخل الفرد في السودان إلى نحو 850 دولاراً  ، ودخل السودان ضمن أعلى الدول من حيث مستوى دخل الفرد، بينما لم يكن يملك وهو الوزير ، من حطام الدنيا غير سيرته الحسنة ومنزلاً حكومياً متهالكاً .
والآن وبعد وصول مائة ألف طن قمح لميناء بورتسودان و"150" ألف طن أخرى في طريقها للبلاد، ومع البدء في التعاقد على استيراد "850" ألف طن أخرى ، نخجل للمتحمسين حماساً زائداً لاستيراد القمح بهذا الشكل وهذه المبالغ الخرافية ، بينما الأفران البلدية تُشوى فيها أجساد الفقراء بدلاً عن الخبز . ومن المفترض أن ندرك أنّه باسم جوعنا تنتعش تجارة وسمسرة من نوع آخر .
(عن صحيفة الخرطوم)
moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]