كيف لا

moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
من غير إدعاء منّي لنضال ولا معرفة فائقة وجدت نفسي من ضمن الذين تصلهم محتويات قائمة الدكتور عابدين. وهذه القائمة من الشبكات المتفرّدة التي تحتوي على ما لا تحتويه المنتديات من ارتفاع في مستوى النقاش في كل المواضيع ابتداءً من السياسة إلى علوم الفلك والاكتشافات الحديثة، حتى ليعتقد لأعضائها أنّهم يمشون فوق هام السحاب وليس على أرض الواقع السوداني الموغل في عاديته من حيث التناول لمختلف القضايا. فمن الممكن جداً أن يبدأ السودانيون جدلاً حول قضية ما في السوق المركزي أو سوق أمدرمان الشعبي لينتهي على صفحات الفيسبوك،  هذا إن لم يجد طريقه إلى دوريات المنظمات العالمية وحقوقها الإنسانية.
آخر ما وصلني من هذه القائمة خيط لنقاش تم خلال اليومين الماضيين عن موضوع بعنوان "يوتوبيا المجتمع الفاضل وإشكالية الشذوذ الجنسي في السودان". وحيث أنني أؤمن بضرورة نقاش القضايا الاجتماعية العقلاني والموضوعي ليقف الناس على أسبابها وتحليلها حتى لا تنفجر في وجه المجتمع، فقد وجدت أمر نقاشها شيئاً إيجابياً. أما بالنسبة للمواقف حول هذه القضية فقد صعقت برأي إحدى المشاركات وهي الأستاذة نعماء فيصل الصديق المهدي، الناشطة في مجال حقوق الإنسان والمقيمة بلندن. وقد وقفت عند رأييها مليّاً عندما خاطبت مشتركي شبكة د. عابدين بالآتي :" فضلاً متي أصبحث المثلية شذوذ جنسي؟ وما هي معالم الشذوذ في المثلية؟ ولماذا يقلقكم وجود شخص أو أشخاص يختلف أو لا يختلف ميولهم الجنسي منكم؟ تحمي قوانين حقوق الإنسان العالمية والأفريقية الميول والخيار الجنسي للراشدين، المثلي المختلط والتعددي الذي يتبع للدين أو الذي يتبع للثقافة. استنكر بشدة هذا المقال الذي يستنكر المثلية والتي أثبتت علمياً وإحصائياً أنها تمثل ٢٠% من المجتمع البشري وتوجد ممارسات مثلية في عالم الحيوان أيضاً". لم ينته حديث نعماء وإنما تبعته باستفهامات هي :"وأين سيقف سقف الإقصاء هذا ؟؟ وماذا سيتبعه، وهل تشمل تبعاته الدين والمعتقدات والسلوك والميول الجنسي ؟؟ والميول السياسي بل الوظيفة أيضاً".ليصل إلى حالة تقريرية رداً على إحدى مناقشاتها:" وصفك للآخر بالشذوذ فقط لاختلافه الجنسي أمرٌ ضد القانون".
إنّ المفارقة العظيمة التي ينطوي عليها رأي الأستاذة نعماء حفيدة الإمام محمد أحمد المهدي زعيم الثورة المهدية في السودان هو في دفاعها عن المثلية والمثليين والتصدي لحقوقهم ، بينما الثابت والموثّق تاريخياً هو أنّ حركة جدّها الإمام المهدي كان منطلقها ثورته الشخصية علي واقعة زواج رجل من رجل آخر في مدينة الأبيض على أيام الحكم التركي على السودان .
وفي ظل سيادة "النقاش المكشوف" الذي يراه البعض مروجاً للخلاعة والمجون والفساد ، يراه البعض الآخر مواجهة شجاعة لمشاكل المجتمع وآفاته بينما تراه نعماء المهدي مسألة حرية شخصية وقضية حقوقية يجب الاستماتة من أجلها حتى تتمتع هذه الفئة بحقوقها كاملة بعدم الإقصاء وعدم تمييزها على أساس ما يسمى بالعنصرية الجنسية .
في هذا الوقت الذي نشرت فيه نعماء المهدي كلمتها يكون التاريخ قد دار دورته وحفيدة المهدي لم تجد إلّا نفس القضية التي أشعل جدها من أجلها ثورة، لتقف بها على شاهدة قبره ويدها في يد مأمور المركز الذي عنّف جدها بقوله له:" الدنيا حرّة" . لم تجد نعماء المهدي إلّا المثلية الجنسية لتتخذ منها قضية مما يعكس إفلاساً في القضايا العليا التي يُنتظر من المثقفين السودانيين تبنيها خدمة لوطنهم وعقول بنيه .
(عن صحيفة الخرطوم)