كيف لا

لم أستغرب لأمر الأستاذة إشراقة سيد محمود وزيرة تنمية الموارد البشرية والعمل، وهي ترسم صورة قاتمة لظاهرة هجرة الكوادر المؤهلة بالخدمة المدنية إلى الخارج وتعزوه للأوضاع الإقتصادية الماثلة، معلنة عن أنّ وزارتها لا تستطيع إيجاد فرص عمل لكافة الباحثين. كما لم أستغرب إعلان وزارتها في وقت سابق سياسة التقشف تمشياً مع ما أعلنته الحكومة. ولكن ما يدعو للعجب فعلاً هو إعلانها عن أرقها الشخصي وأرق حكومتها بسبب هذه الظاهرة، في الوقت الذي تضطر فيه نقابة العاملين بوزارة العمل إلى توجيه خطاب رسمي شديد اللهجة للوزيرة نفسها يتحدث عن سوء إدارة واستغلال للمنصب.
جاء في الخطاب إمهال وزراء وزارة تنمية الموارد البشرية الثلاثة: إشراقة سيد محمود وأحمد كرمنو وآمنة ضرار، مدة زمنية لا تتجاوز 12 ساعة لإصلاح وتقويم الخلل الإداري. وانتقد الخطاب تمسك الوزراء بمكاتبهم في برج الهيئة القومية للإتصالات بإيجارات تصل الى 1,6 مليون جنيه رغم وجود مكاتبهم المخصصة أصلاً بالوزارة. وأشار الخطاب  إلى تجاوز الوزراء الثلاثة كل القوانين واللوائح وأخلاقيات المهنة بخلقهم صراعات وهمية وشخصية جعلت العاملين بالوزارة من قيادات عليا ووسيطة وغيرها يعيشون في جزر معزولة، قبل أن يهددوا على الملأ بطرد عاملين من الخدمة العامة. مرّ على هذا الخبر أكثر من أسبوع ولم يرشح إلى الآن ما ينبيء باستقالة أو تعهد أو حتى محاسبة .
ورغم الحديث الكثير عن الفساد إلا أنه صار مظهراً سائداً من مظاهر الدولة  كما لو أنّه  من الفضائل ، حتى بات من العسير أن تجد من قال فيهم الله تعالى : "أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ" (هود: من الآية 116) .
يتحدث الجميع عن الفساد في الوزارات وفي مراكز صنع القرار ، ولم تنجو وزارات ترتبط بحيوات المواطنين بشكل مباشر مثل وزارات الصحة والتعليم والزراعة والصناعة من استيطان هذه الآفة في أجهزتها المختلفة . بعض أوجه الفساد تظهر صدفة وبعضها يظهر عبر تصفية الحسابات بين الكتل النافذة المتصارعة والمتنافسة على مغانم المناصب والجاه وسط سيول  الإتهامات والشتائم .
لم نكن نريد من إشراقة سيد محمود التي نعرف أن تكون المخلصة الوحيدة لعقيدة حزبها الاتحادي الديمقراطي بعد أن تحولت من عقيدة الشريف إلى عقيدة الدقير. كما لم نكن نريدها أن تسير مع السائرين في ركاب الفساد . ويكفي أن أذكر أنّ إشراقة أثناء دراستها الجامعية وقبل التخرج والعمل مع الحكومة كنّا نحس فيها الصلاح وحبّها لإصلاح ذات البين بين الفرقاء في الكلية وداخلية البنات . ونظراً إلى كل ذلك فمن الصعب التصديق بأن تتبدل بها الحال وتكثر أقاويل إنغماسها في الحياة السياسية للدرجة التي تجعلها لا تفرّق بين أمانة ومسئولية المنصب وبين استغلاله. وأن تنأى بنفسها عن تفضيل العدل ولو على نفسها و تبرير الظلم والتسلّط واستغلال المنصب .
وإذا كان هذا هو الحال فما الذي يمنع إشراقة سيد محمود وزيرة تنمية الموارد البشرية والعمل من أن تمد رِجليها  بعد أن عمّ الفساد واستشرى في مفاصل الدولة . ولماذا نستثنى الوزراء الآتين من أحزاب وكيانات موالية لنظام المؤتمر الوطني بأن تصبح البلد أكثر ملكية لهم من النظام الحاكم نفسه . فإن كانت إشراقة لا تدري ما هي حدود صلاحياتها فهذه مصيبة ، وإن كانت تدري وتعمد إلى أن تبسطها كل هذا البسط فالمصيبة أعظم.
(عن صحيفة الخرطوم)

moaney [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]