ما أشبه اليوم بالأمس، إنّ أحداث التاريخ تُعلمنا وتَعلمنا منها، فإمّا أن نشرع في العلاج وندرك الحلول إن أفاد، أو البحث عن البديل ـ والبديل هي مبادرة (الجوار الحسن)، وهنا يصبح الشروع في [التغيير] واجباً ولا أحب أن أسرد كثيرا من الأحداث والفتن التي عشناها في مسيرتنا السياسية الطويلة، فالتغيير إما أن ينجح أو أن يفشل لصالح الوضع القائم، والناس أمام هذه الثنائية في خيار تاريخي حاسم، مابين الانفصال أو الوحدة .. ورهاننا خير شاهد.!

 

لا يمكننا الخروج من أزماتنا الراهنة بلا جهود (مكثفة) ولا بالصمت. لابد من مبادرة تجمع طرفي النقيض، وتغليب المجهودات للمصلحة العامة فضلاً على نبذ المنافع الشخصية والأهواء الذاتية والرغبة الممقوتة في الانتصار للرأي أو الموقف، وأن يظفر بكل شيء، ولا داعي للعناد السياسي المفضوح والذي أدى إلى تعثر المبادرات كافة، وهاهي (المبادرات) تتساقط  بدون وفاض.

 

تشكلت حزمة من المبادرات والتي يحلو للبعض أن ينتهجها أمام استحالة الإقرار بالوضعية المنحرفة للـ(وحدة)، وتفشي طموح الانفصال لدى مواطني الجنوب وحالات الضعف التي تنهش في جسد الوحدة المسماة مجازاً بـ(الجاذبة) يصعب الصبر معها، فإنهم أيضا يتهيبون من سلوك الطريق الجديد ـ  [وأقصد هنا أصحاب مبادرات لاجل الوحدة] .. وهنا أحب أن انصح نفسي وهؤلاء (النفر) بكل صدق وهدوء من خلال استقراء لواقعنا التاريخي.. لماذا لم نأخذ بالمقولة المأثورة التي علمونا إياها منذ أن كنا صغارا والتي لا زلنا نحن نلقنها لأجيالنا الصاعدة، باعتبارها العلاج الناجع لكل داء ومكروه ألا وهي (الوقاية خير من العلاج!!).

 

إذن الجوار (الحسن) هي الوقاية.. وخير من تلك المبادرات التي تطبب على الجروح (الوحدة) كما وردت في الآتية:

 

أولاً:

المبادرة الشعبية السودانية لدعم الوحدة  ـ  أطلق هذا النداء عبر الرسالة المفتوحة لرئيس الجمهورية ونائبيه، والوزراء، والبرلمانيين، والولاة، والمجتمع الدولي والاقليمي ـ أحد المؤسسين هو الاستاذ/ عاصم المشرف الأمين العام للمبادرة - ورئيس تحرير صحيفة صوت النيل السودانية ـ ومنظمة صوت النيل ـ التوقيع: القاهرة فى27 أبريل2010م.

 

ثانياً:

مبادرة شباب من أجل الوحدة السودانية ـ المبادرة طرحت لأول مرة عبر منبر إلكتروني ـ نظمها منبر الشباب الديمقراطي بمركز الدراسات السودانية ـ جنوب غرب الخرطوم  ـ المؤسسون هم: عاصم الحاج، هشام الطيب، عبد الهادي إبراهيم، معتز تروتسكي، ولقيت إقبالاً من الأوساط المترددة على منبر سودانيز أونلاين على الشبكة الدولية للمعلومات. ـ ونشرت صحيفة الأخبار السودانية ميثاق (المبـادرة) ـ بتاريخ 19 سبتمبر 2009م.

 

ثالثاً:

مبادرة جامعة الخرطوم من أجل الوحدة ـ ملتقى وطني يشارك فيه أساتذة جامعة الخرطوم وطلابها وخريجوها والحادبون على وحدة السودان من سياسيين وأصحاب العمل والصحفيين والإعلاميين وغيرهم في الأول من أغسطس المقبل ـ في دعم خيار الوحدة وجعله خياراً جاذباً لكافة الجنوبيين، خاصة المطالبين منهم حالياً بالانفصال ـ إمام محمد إمام والبروفيسور مصطفي إدريس وآخرون ـ جامعة الخرطوم..

 

رابعاً:

مبادرة ونفرة من أجل الوحدة ـ تحت الشعار" شباب واعد لوطن واحد" ـ منظومة الإتحاد الوطني للشباب السوداني ـ وذلك لحشد طاقات الشباب في تعزيز فرص الوحدة ـ الخرطوم..

 

خامساً:

مبادرة الهيئة القومية لدعم مشروع الوحدة الوطنية في السودان ـ هذه المبادرة نبعت فكرتها بعد إعلان فوز المؤتمر الوطني في انتخابات (ابريل 2010م) حيث تحولت هيئة دعم ترشح عمر البشير إلي الوحدة، في مايو 2010م ـ الخرطوم.

 

سادساً:

مبادرة أهل السودان ـ من أجل قضايا الوحدة والسلام في السودان ـ مدينة كنانة ـ 17 بتاريخ (أكتوبر) 2008م،.. ومقرراتها على منضدة رئاسة الجمهورية، وعديد من المبادرات لا يمكنني ن استذكارها الآن..!

 

لم نعد نفهم ما هي نوع هذه المبادرات الآحادية (المبعث) ـ فقط الوحدة ـ في بلد أصبح مليئاً بالمتناقضات والأحداث مضت بعضها والبعض لازالت تنتظرنا.. وتلك الأزمات بمُختلف صورها، لم تكن إلا محصّلة طبيعية لهيمنة التوتر على الحياة السياسية في بلادنا، وهيمنة لثقافة واحدة  ألا وهي (العروبية الإسلاموية) بسبب اشتِداد الخلافات التوجهاتية والتي (لا غالب ولا مغلوب) فيها و أنّ الأزمات باتت تتطلب معالجات.

 

وأنا بصدد الكتابة عن مبادرة الطريق الثالث (الجوار الحسن) ـ ((Peaceful Neighborhood in Sudan بين دولتي الجنوب والشمال، وهذه أولى بوادِر هذه الفرصة وفقا لما يراه محلِّلون، ووفقا للإشارات الأولية لتظاهرات منظمة (شباب من أجل انفصال الجنوب) ـ South Sudan Youth for Separation .

 

فالمسألة السياسية، هي العنصر الأهم لإحداث انفراج سِياسي حقيقي في السودان، فالثقة مهزوزة بين الشمال والجنوب كنتيجة لمحصِّلات التجارب السابقة، ونظراً للتبايُن الأيديولوجي بين مُكوناتهما (الثقافية والدينية، والقومية والقبلية والعشائرية)، الأمر الذي سيجعل كل طرف على حِيطة وحذر من أن ينقلِب عليه (النقيض) الآخر، منفرداً بمكاسِبه..

 

مبادرة الطريق الثالث ـ (الجوار الحسن)، هنا ليست أيديولوجية جديدة للسودانيين، ولا مشروعاً سياسياً متكامل الأركان، بل هي آلية، حتى ولو مؤقتة، تمنع انجراف الغبن السياسي إلى تناحر مسلح، وتحصن بلادنا ضد أي [شربكة]، في بلد عانى كثيراً من التناحرات.. وهي آلية توفقية تأسس على حزمة من الأهداف قريبة وبعيدة المدى أو التريبات قبل وما بعد الاستفتاء ـ Pre or Post referendum، التي يؤدي تحقيقها إلى إخراجنا من ورطتنا السياسية والأمنية والاقتصادية، وتلتئم على فهم مشترك لوضعنا الحساس بعد إعلان الانفصال المؤكد. وبالطبع فإنّ من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن تتطابق مواقف ورؤى الفريقين المتنافسين، لكن المنتظر أن يتعمّق هذا الفهم لدى الأغلبية منهما، لاسيما أنصار الحفاظ علي (الوحدة) الراهنة، والتي لا يمكن أن تكسرها قلة هنا وهناك خارجة عن قيم التوافق السياسي والاجتماعي العام.

 

أس جديد:

سوف تدشن مبادرة الطريق الثالث ـ أي (الجوار الحسن) بين الشمال والجنوب بعد الانفصال في غضون الأيام القادمة، فترقبوها ـ ستنشر مثياقها وأهدافها ـ المبادرين بالداخل والخارج ـ ومقرها.

 

yai dedut [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]