أسس جديدة

 

 

أنا لستُ عرّافاً (اقرأ الفنجان!) فأستبق أحداثاً وأتنبأ بعالم الغيب.. ولكن أتحدث عن بطون الأحداث السياسية التي وقعت وما زال بعض منها تتكشف أسبابه ومسبباته وأفرزت لنا ما نحن نعيشه اليوم من ويلات مؤلمة من شعارات غوغائية عن الوحدة (الجاذبة!) وما أدراك ما (الوحدة!)، وما نفعله لا مجال فيه لفكر منحرف يخلط الأشياء.. ولا مكان فيه للجهل والتعصب والتحريض اللا منطقي.. بل محاولة لترسيخ قيم المواطنة قولاً وعملاً ولا يفرق بين الناس.

 

وحسماً لهذه البلبلة أردنا البحث عن ثنايا الأشياء و(نبش) الأمور خلف الكواليس وإدراكاً لخيوط المشكلة فلن نتعثر لإيجاد المعطيات وتناولها بالتحليل بما هو معلن منها أو سر مسموحٌ إعلانه لنا حتى لا يتشابه الأمر علينا كما تشابه البقر على بني إسرائيل في الصحراء، إذن لابد أن نميز بين الوحدة على أساس المواطنة وليس الموارد والتي يتغنى بها (الجماعة!).. نستقرأ "المدسوسة" خلف الشعارات لإختلاق الأزمة.

 

لكن هذه التحفظات وتلك التحديات لا ينبغي أن تثبط الهمم بقدر ما ينبغي أن تجعلنا نتحلى باليقظة والإصرار على الإنطلاق لـ(زنق!) وإحراج العناصر المترددة أو المناوئة لمشروع الأمل ـ أي مشروع بناء لدولة مدنية حديثة.. خلافاً لإستراتيجية (التمكين!) اللا قومية، وبحسب انطباعاتي الشخصية فالمشكلة تكمن في السياسات الإقصائية المرتبطة التشريعات (هي لله هي لله!)، والتردد الطويل من جانب فئة (الهوس) الفكري وأبعاده الخفية..

 

وفي هذه اللحظة الإختزالية المتفجرة من تاريخنا وما يتداوله الناس صباحاً من أحاديث في أمسياتهم وقبل نومهم، هي إستراتيجية (الجماعة!) في تكريس الأوضاع الأمنية المتدهورة في الجنوب وإدامتها.. وبالطبع هكذا تنوي أن تفعل (أذرع!) المليشيات و(تدويرها) لخراب وخلق تفلتات أمنية قبل الإستفتاء.. وإفساح المجال أمام إعلام الـ(ضد!) الموجه، وسياسة الصوت الواحد، وتكميم (الأفواه!).. وأسلوب إنتاج الفوضى وتصوير الأوضاع بأنها خطيرة.

 

أطروحات إستراتيجية (الجماعة!) اللا قومية الشاملة ركزت على سياسة خلق الفوضى وإثارة الصراعات واستخدام قوى داخلية جنوبية كالمليشيات أو أحزاب موالية لـ(هم) وتوظيفها لتأدية المهام.. أمثال ما يسمى بالقوات الصديقة الخ..

 

هكذا ابتلينا في الجنوب لمدة أكثر من نصف القرن من الزمان، ليس فقط بهذا النوع من الإستراتيجيات (الجامدة) وأنظمتها المهووسة، أو (المتشبثة) بكراسيها، إلى ماشاء الله في خلقه، ولكننا ابتلينا أيضاً بأسلوب شد الأطراف وشل قدرات الجنوب سواء أكانت بشرية وإقتصادية الخ.. مؤتمنين على البيئة الجنوبية بأنها مليئة بالعوامل المتناحرة والتناقضات ويمكن ممارسة الضغط (المصمم!) كمهمة عاجلة لا تحتمل التأخير قبل إجراء الإستفتاء في يناير 2011م..

 

هذا فصل من فصول كوميديات المسرح السياسي لـ (جماعة!) الهوس الفكري، وما لا يعلمه الآخرون باستثناء بعض النفر (الساسة) من جيلنا والذين عاشوا وتعايشوا مع أطروحات الإستراتيجية وارساليات الموت هذه، والحديث عن رفض (الإنفصال!) يبدو إنه حديث مفرغ الإستماع والإطلاع عليه، لأن (الوحدة!) تسترها حقائق خفية، وهي وهمية ـ مجرد أكاذيب وتضليل إعلامي مقصود بشكل مكشوف إمعاناً في تضليل ضعفاء النفوس من الجنوبيين.

 

أليست هذه الخطوة (تكتيكاً) ونسخة منسوخة من الأنشطة والخطط المعلنة في إستراتيجية شل الجنوب؟!.. وتخريبه كما يفعل المدعو جورج أطور وقادة أحزاب اللافتات أو أشباه الأحزاب التي تنتسب للمؤتمر الوطني في الجنوب وتحركها ريثما أراد ذلك في خطوط لا تقسيم والمواقف المتخذة حيال ذلك..

 

عموماً، ما نشاهده لا يتعدى لعبة (شد الحبال) أو (عض الأصابع) وصولاً إلي تنامي التهديدات.. ونرى كل يوم إنساناً مثقلاً بمصير شعبه في الجنوب، وكأنه يحمل على عاتقه جبلاً من (الهموم).. لكننا لا نملك إلاّ أن نعجب كيف انّه لا يزال قوياً متماسكاً لم يتحطم أمام المؤامرات المحاكة ضده وضد إرادة الجماهير المهمشة في جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وأبيي والجنوب السوداني محاصر بالمآسي والكوارث التي تنقضُّ على شعبه ووطنه ليلاً نهار، وهو نفسه القائد سلفاكير ميارديت زعيم التحرير الوطني..

 

الغريب في الأمر أن الوقت قد تلاشى، ومازال الوقت يتهيأ للبعض كأنه (باكر) لتخمين متى تكون النهاية لهذه الرؤية الهاذية من الوحدة (الجاذبة) التي تخفي بدواخلها حقائق (خربة!)، وهي الوحدة على شاكلة (منقو الزمبيري!) خدعة ولا يلبي طموحات شهداء التحرير وهناك ضجة كبرى لماذا الإنفصال؟!..

 

الحاصل هو (رطانة!) سياسية وتهويم لا يفهمه الكثيرون منا،  إفراط في الوحدة تحت القوانين والتشريعات الإسلامية المتشددة أو المعتدلة منها هو أمر صعب الحدوث كمرور الإبل من ثقب (الإبرة).. كذلك ما يحدث اليوم أشبه بـ(النكتة)، اشتغال الناس بقشور السياسة مقطوعة الصلة بحقائق واقعنا، وحيازة (عدّة الشغل) والتي تتطلب في كثير من الأحوال، إنكار الواقع، أو مجاملته، والإستبداد بالرأي، والتلهي بالتصريحات، والإطناب بالمزايدات، بالتوازي مع نفي الآخر، وتغييب النقد، ومصادرة العقل.. وأبلغ الأدلة على ذلك وأكثرها بساطة هي استمرار إستراتيجية المراوغة الـ (ميالة) إلي الإقصاء مع نفي الآخر، لأنها مجرد (سد خانة) في الأغلب.. وبديل الإستفتاء هو الحرب وهو شر لا بد منه.. ولتكن الرؤيا لشعوب جنوب السودان المقهورة.. ألم تكن ذلك كوميديا مخادعة؟!..

ومتى يتم تكوين مفوضية للإستفتاء؟!.. وهذا هو الدرس الأول.

 

yai dedut [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]