«اوقفني في البحر فرأيت المراكب تغرق والألواح تسلم ثم غرقت الألواح وقال لي لا يسلم من ركب وقال لي في المخاطرة جزء من النجاة وجاء الموج فرفع ما تحته وساح على الساحل وقال لي إن هلكت في سواي كنت لما هلكت فيه» موقف البحر بهذا التقديم المأخوذ من كتاب المواقف والمخاطبات لمحمد الحسن النفري مقروناً بسؤال أبا يزيد عن بسطام في كتاب الفتوحات المكية لإبن عربي والذي أفاد منه أيضا الأستاذ عبد القادر الكتيابي في قصيدته المبتدرة بقوله ... خيلي تعبت.. يامولاي.. بهذه العبارات يقدم محمد عبد الحي لديوانه صاحب الشهرة الأطغى والرمزية الأسمى (العودة الى سنار) والذي ضم القصيدة ذات الأناشيد الخمسة والتي سمي بها الديوان لا اريد الحديث عنها فلقد أكثر الناس في ذلك والمنهل بعد صاف لم يزره عكر رغم ازدحام الدلاء هذه القصيدة التي تقترب في عمرها من الستين عاماً بقيت وستبقى من القصائد ذات الأثر المتجاوز لذات المبدع ومن القصائد التي يستلهم منها الناس الرؤى والأفكار ولعل الراحل بطريقته التي يكتب بها الشعر اراد ذلك«سأعود اليوم ياسنار حيث الرمز خيط من بريق اسود بين الذري والسفح والغابة والصحراء والثمر الناضج والجذر القديم» وها أنا دون وعي اطاوع قلمي لأتحدث عن العودة الى سنار فهل يعود الناس الى سنار وهل سنعرف أنفسنا مثلما عرفها محمد عبد الحي«على باب المدينة» وهو يطلب أن تفتح له الأبواب.
أفتحوا حراس سنار افتحوا للعائد ابواب المدينة
بدوي انت؟؟
لا
من بلاد الزنج؟؟
لا
انا منكم تائه عاد يغني بلسان ويصلى بلسان
اما ان رياح نوفمبر ستهب علينا بالجديد هنيئاً يامحمد مرقدك فلقد ذهبت وحلمك في صعود رحلت وأنت تقول«ان لي وطناً احبه ولأني أحبه يحبني كل الناس كل العالم كل إنسان ولا أظن ان منكم من يبيعني وطناً آخر فهذا مستحيل».
أننا نقف اليوم في ذكرى رحيل محمد عبد الحي الشاعر صاحب القضية التي يخلص لها ويلتزم بها وهو من بعد ناقد صاحب صفة خاصة وبصمة غير مكرورة تبدت واضحة جلية في الرؤيا والكلمات وفي الدراسات المعدة والمنشورة.. وشعر عبد الحي درس نقدي فلم يوف حقه وفي حاجة للتنقيب بإستصحاب ما كان من أمر جيله ولا أجد شكري كافياً هاهنا للأستاذ الدكتور قيصر موسى والأستاذ الدكتور عبد الله علي ابراهيم اللذان قدما لي الكثير قبل عام فافدت منه في الدراسة المنشورة على صفحات«الحرة» باسم بين الحر حر والأجراس
(اننا نفتح يا طارق ابواب المدينة أن تكن منا عرفناك عرفنا وجهنا فيك: فأهلاً بالرجوع للربوع
واذا كنت غريباً بيننا
إننا نشعر بالضيق نفديه
بأرواح وأبناء ومال فتعال
قد فتحنا لك يا طارق أبواب المدينة)
 [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]