[عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

       ها أنت تدرك سرها يا صلاح.. شهر وراء شهر وعام يمر في إثر عام فتجدّد الذكرى التي ما غشاها قِدم.. إي صلاح.. (وآخرتها مافي الرجعة في صندوق).. إي صلاح آخر العمر طويل أم قصير..

كفن من طرف السوق

وشِبِر في المقابر

أدركت سر الحياة فعشتها للشعب تذكر مجده وتزيح الغبار عن وجوه الكادحين وتضحك مع رجل الشارع (الهِدمو مَتَرّب وقلبو نضيف)

سبعة عشر عاماً من الرحيل ونحن نتعلّم منك أن يكون الوطن هو الأول وأن الذي لا يكتب للشعب عليه أن يقف جانباً وأن الشاعر الذي يغني للعصافير فقط عليه أن يخفض صوته فليس للناس كثير حاجة فيه. ها نحن نقول لهم كما أوصيت يا صلاح

قُل لهم في زمن آتٍ بإني

شاعر صار فقيراً معدماً

لم يسِر بالأمس مختالاً مَرِح

وصلاح الذي يختلف معه أهل السياسة ـ يمينهم ويسارهم ـ في أشياء عديدة يجمعون على كونه محباً من طراز نادر لوطنه صادقاً في حبه ذائداً عن مبادئه.

والحق أن حياة صلاح المليئة بالمواقف والسجالات وإختلافهم حول تفسير بعض المواقف لاسيما الشيك الذي حرّره في التسعينات الفائتة لقوات الشعب المسلحة والذي ظنّه البعض تماهياً مع النظام ـ وما كان كذلك-.

كل هذه الحياة الصاخبة بفعل السياسة لم تحرمه من متعته وبهجة حياته (الشعر)..

بهجة الشحرور ما عاش التغني  

 وأنا شدوي قصيدة

 

المشغولون بالأدب والنقد اشتغلوا بصلاح وهذا حقه وما يمليه عليهم شعره على أنهم رغم ما يمنحنونه من جهد غرق أكثريتهم في بحر الغابة والصحراء وانشغل أهل السياسة بمقالاته السياسية فسهروا مع صلاح الدين وليالي الحشاشين وتوقف عدد غير قليل من الناس في محطة (مريّا) التي تجاوزها قطار صلاح إلى فضاءات أرحب ودنياوات بعيدة. وليت الناس توقفت ولو قليلاً عند مطولاته وأخص الاجتماعية منها وخذ مثالاً( الحاجة) وشقيقتها ـ رغم فارق العمر ـ( الدكتور أسعد) فهذه القصيدة التي لم تجد حظها من الذكر ربما لكونها من قصائد الديوان الأخير يعالج فيها صلاح مسألة الإستعلاء العرقي بذات الروح التي ظهرت في قصائد (غابة الأبنوس) و(نحن والردى) ويضغط على الجرح بقوة ووضوح عله يطهر ويصل بنا إلى ما يؤمن به:

حسب المرء الحقيقي قلوب

برئت مما يشوب

من إحن

وخلاف حرة زانته لا دعوى وجاهة

ليس فيه ما يفيد الخلق أو يرضي الإله

غير إنا لم نزل بعد قطيعاً في متاهة

ذا صلاح الذي ما أحبّ مثل وطنه وما قدرت رياح الغربة أن تحول بينه وبين حبه فأزكت الشوق وهيّجت الغرام وجعلته يقول:

محمد حنّ في يثرب لأنفاس مكة

هل معقول صلاح في الغربة ما يتشكى؟!..

ورياح الاغتراب تدفعه بعيداً عن ساحل الوطن بدا الحلم متضائلاً فلم يعد يحلم بنقارة ساهرة في توريت أو دوحة وارفة في عدوة الوادي.. على أزوم أو سوباط أو ستيت تضاءل الحلم من زورة لعمته في القطينة

ثم لا أزيد غير شبر واحد في طرف المدينة

في تربة قاسية على سفوح كرري تسكنها عظامي

فتعرف السكينة

قبراً بغير زينة

وصدقت نبوءة الشاعر عندما ابتدر قصيدته (حنين):

يمكن ما ف غير الرجعة في صندوق

ويمكن يقولوا لا من دين يعرفوا الذوق

صلاح  في تابوته ليدفن في ذات المقابر التي ذكرها في (حنين)

عرج على جبل كرري وتوخى يمينك

وفي أطراف مقابر البكري أحني جبينك).