كلما أينع غصن اللحن

وأنثال المغنى

صرت أنت الشعر واللحن الخرافي

حيث تختال القناديل وتخضل القوافي

وانبرى القيصوم والشيخ يغني

لك أرقى الأغنيات

كلما نوغل في عينيك يشتط الهوى

يستبد الوجد تمتد الجهات

يستبد الوجد بفضيلي جماع فتراه وتحسه في أغلب قصائده على اختلاف تفعيلاتها واختلاف محبوباته بين وطن«يحمله وشماً في الكفين» وبين مدن وقرى يراقب همس الأزقة فيها«يقبل طوب المنازل، رمل الشوارع، كل البيوت» ومحبوبة انثى تخصه بالشوق ويخصها بالوجد الذي يستبد به بقوة ولطف تماماً كما الحسن الذي احتضنته عيناها فألهمتا وأوحتا:

أجمل الأشعار ما توحيه عيناك

وأحلى كلمات الشعر ما نعجز

أن ننطقها وقت لقاك

حبيبة تجسد الوجد والهوى وحبيبة أخرى«بهوي غيرما الهوى» حبيبة«وطن» تغازله وتجذبه عشقاً فتسري في دماه وتفجأه

(من الذي أتى هنا

وطاف بي

وغاص في دمي؟

وحرك الشجون في فؤادي

سحائب الحنين من بلادي

ام الحبيبة التي

في غربتي تحورت

وفي المسام اصبحت بلادي)

وفضيلي رقيق في حبه لطيف في وجده, والحظ معي بالله عليك نداوة المفردات التي يستخدمها وطلاوة العبارات(هواك غيرما الهوى/ هونا يدخل ثم يعود/ سلمت ايها الجميل/ ورد تفتح اكمامه/ لواحظ العيون... وغيرها) . وفضيلي لا يحسن إلا أن  يكون رقيقاً لطيفاً حتى في أكثر قوافيه مصادمة ولعل قصيدته(الغناء زمن الخوف) خير دليل فالقصيدة ذات الاستهلال المصادم القوي.

في زمن الخوف أغنى

وأفجر لغم الكلمة عمداً

في أيام الخوف

الحنجرة الخرساء تموت

وتولد حنجرة أخرى، والحرف نزيف

هذه البداية المقاتلة المتفجرة الرافضة المجاهرة بالرفض كل هذه الأشياء وهذه الحروف النازفة تتماهى في روحه وفي الأسطر التي تليها مباشرة لا يفصل بينها الا ـ سكتة لطيفة ـ ليقول ذات المفردات التي تشبهه.

مطر هطال

برق صب حليب الضوء

وناجاني منتصف الليل

لكن فضيلي لا ينسى ما يريد فجسارة البداية لا تضيع

(ما عدت ارى الا الخنجر

ايقاعاً اشهى في عصر الرعب!)

لكنها تدخل في منظومة فضيلي الندية

(فبسطت لأطفال بلادي

رمل القلب الناعم

شارة حب

يلهون عليه

وينتشرون زهوراً

فوق الحقل)

غير ان المحب كما يعلم يزيد شوقه كلما بعد عن محبوبته وهذا شأن فضيلي مع وطنه الكبير , وكونه الصغير(الأبيض / المجلد) فالغربة التي خصمت من رصيد فضيلي جماهيرياً وشكلت حاجزاً لا يقدر كل المتلقين على تجاوزه اضافت لرصيد العاطفة فأكسبتها أواراً واتقاداً هذه العاطفة تبعث الشوق حاراً وتلهب الهوى فيستبد الوجد وتضطرب البوصلة وتختلف مقاييس المسافات وتمتد الجهات.

كحفيف النسمة يدخل طيفك ذات مساء

يتنقل هوناً بين رتاج القلب

وساحل رمش العين

وانظر بعين متأملة لهذا التنقل بين رتاج القلب وساحل رمش العين ـ انا لا اريد التوقف في صورة بلاغية معروفة ـ ان فضيلي يضع زمناً يخصه اللحظة فيه تكفي لما لا تكفيه عند غيره. فالخيال مثلاً لا يزوره مثلما يزور الشعراء لكنه يأخذ ما يحتاجه وأكثر

اصدق ان الخيال(ارتدي ثوبه)

زارني

ليس ذلك فحسب لكنه حتى في لحظة اللقاء.

افرد كل الأماني شراع

(افغر فاهي.. اهم ببعض الكلام)

لعلي مثالاً اقول رموشك لم تزل...

ويستمر في الاستطراد عن الممكن حدوثه

لعلي اقول

بلادي ـ بلادك

في غربة الدار

انسجها حلة فالبسيها

أفكر في نكتة او طرائف

كل هذا يحدث في لحظة لقاء سريعة لكنها لحظة غرق وتشتت وتمدد في الجهات واضطراب فتسمعه يقول يابعيد ياقريب ياحفي

أنه يرى محبوبه في كل شئ(اراك في حقيقتي وحلمي/ والقاك في كل زاوية وردة بالندي تستحم/ كان الوطن وكنت معي في لحن طي شريط كاسيت/ فالقاك مني وبعضي والقاك حزني وسعدي)

ان هذا الحب الجارف المتدفق تجاه الحبيبة والحبيبة الوطن نراه بيناً جلياً عندما يتجول فضيلي في شارع في حي القبة يتجول في شارع كأغلب شوارع

حياة من الطهر والعهر في الشارع الأبدي

خليط من النثر والشعر واللغة والبور

من تأتأت السكارى

ولغط الحيارى

وهنهنة السابلة

لكنه الحب وحده ما يميز هذا الشارع ووحده الحب الذي يجعل شاعرنا يهيم به وبكل تفاصيله لأنها تفاصيل قرية ومدينة ووطن ابعدت الغربة ابنه عنه فما ملك الا التغني المحبوب يتمثله في هذا الشارع

اقبل طوب المنازل، رمل الشوارع

كل البيوت

لانك منها وفيها

ويولد فجر ليمتد في

ساحة الشارع الأبدي

تثقل فيه الخطأ.. وننظر في العابرين

اصافح وجهك في طلعة الشمس

اوفي خطأ العابرين

اصافح حتى الارازل والطيبين

اتعلم منهم ثبات الصخور بوجه الرياح

ونار التحدي ونور اليقين

 

اناس هم الكون والرحلة الخالدة

عماد محمد بابكر [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]