مفاهيم


نسبة للاختناقات التي تشهدها البلد سياسياً، والأزمات المتصاعدة يوما بعد يوم، والشواهد التي لا تنذر بخير؛ يبقى المرء منا باحثاً عن مشاهد للفرح تبعث على التفاؤل.. يبحث عنها في وجوه البسطاء من أهل هذا البلد الصابر أهله!
يبحث عن ابتسامة مشرقة في وجه طفل صغير، ضحكة مسن تساقطت أسنانه ولم يبق له إلا ضرس العقل؛ لمة أسرة في الحدائق المتاخمة لشارع النيل وبمحاذاة الفلل الرئاسية، أو زفة عروس بفستانها الأبيض الجميل تتأبط ذراع زوجها في فرحة وسعادة!!
في دول الخليج والقاهرة وكثير من بلدان الله تمتد أفراح الناس في ليالي أعراس أولادهم حتى الصباح ماعدا السودان!!
حاولت الحكومة في الآونة الأخيرة أن تهيء للناس من أمرهم (مرحاً) فأكثرت من الحدائق المفتوحة المجانية من عينة (أبو الرخاء) و(حبيبي مفلس) ؛ وذلك ربما كان (حسنة) منها، ورأفة بحال الناس الذي يعانون الأمرين من غلاء المعيشة ولهيب الشمس الحارقة ؛ أو ربما لشيء في نفسها كمحاولة إلهاء الناس عن إسقاطها أو كشف فساد مفسديها وبلاوي منسوبيها!!
تركت الحكومة الناس في حالهم ولله الحمد من ناحية حرية السهر في شوارع الله أكبر حتى الساعات الأولى من الصباح دون حظر، وإن كان الأمر لا يخلو من بعض مضايقات وتحرشات هنا وهناك!
ولكن ما يدعو للدهشة والأمر الذي لم أجد له تفسيرا نهائيا هو إصرار السلطات على مصادرة أفراح الناس المدفوعة الأجر في مناسباتهم، خاصة الزواج الذي تمنع حفلاته من الاستمرار بعد الحادية عشر مساء ولو بدقائق معدودات؛ حيث أن من يتجرأ ويتجاوز الموعد المحدد من الفنانين يُعاقب برفع (ساوند سستمو) في أقرب بوكسي و(عينك ما تشوف إلا الغرامة والشلهتة)!!
صفاء عروس انتظرت لحظة زفافها على حبيب القلب سنين عددا، وبذلت وعريسها وأسرتاهما الغالي والنفيس في سبيل إتمام ذلك العرس وسترة حالهم أمام الناس كما ينبغي وبالشكل الذي يحبونه لابنتهم الوحيدة!!
استدان عريس صفاء ليكمل لها قروش الكوافير والحنانة والفنانة؛ ووالدها استدان لأن الثور بحاله لم يكفي ضيوفه فاضطر مكرها أن يأتي بعدد واحد خروف محترم ليشبع ضيوفه عله ينجو من (شيل الحال)!!
يوم الزفاف اتفق العروسان أن يحضرا من الكوافير مبكرا حتى يستمتعان بحفلهما الذي أخذ كل أموالهما و(طلعت روحهم) في التجهيز له؛ ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه؛ فصديق العريس الذي وعده أن يحضر له بسيارته الكامري الفارهة حدثت له ظروف وفاة ولم يستطع المجيء!
وتمت معالجة الأمر ووجد العريس صديقا آخر يزفه بعربته (الاتوس التعبانة)؛ ولكن كانت الساعة قد وصلت للعاشرة وتبقى من زمن انتهاء الحفل ساعة واحدة والعروس هناك في الكوافير قد بلغ بها الغضب مبلغا، وهي تحبس دموعها حتى لا تخرب المكياج الذي دفعت فيه دم قلبها وقلب عريسها!!
وعندما وصل العريس لعروسه كانت الساعة الحادية عشرة إلا ربعا ؛ ووجدها على حالة الغضب تلك وأخذها من يدها دون أن ينظر إليها ودون أن يبرر أسباب تأخره، وهرول بسيارة صديقه للاستديو؛ وهناك كانت الابتسامة باهتة وغصبا لأن الروح متعلقة بعقارب الساعة، ولم يتبق من موعد انتهاء الحفل إلا سبع دقائق!!
عندما انتهى التصوير وتحرك العروسان للقاعة المدفوع فيها دم القلب أيضا كان الفنان قد سكت عن الغناء المباح، وسكت (الساوند سستم)عن الصياح !!
هذه هي قصة العروس صفاء ولكنها قصة مكرورة حدثت مع غيرها كثيراً، ويبقى السؤال الذي أتمنى أن أجد له إجابة من السُلطات وهو.. لماذا تصادرون أفراح الناس عند الحادية عشر مساء وإلى متى يستمر هذا الفعل اللا إنساني؟!
و
سمحة المقدرة يا ناس (الاستثناءات) المدفوعة!!

(الأخبار)

nadia nadia [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]