زفرات حرى

 

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

حُق لدكتور غازي صلاح الدين أن يُثير الغبار الذي ملأ الأرض والسماء خلال الأيام القليلة الماضية حول المادة «76» من قانون الاستفتاء ذلك أن التغافل عن القضايا التي أثارها الرجل يُعتبر تغاضياً عن حتمية انفجار الحرب فور صدور قرار أبناء الجنوب بالانفصال أو ما يسمونه «الاستقلال» ما لم تُحسم تلك القضايا.

ببساطة شديدة فإن غازي قال: إن المادة التي تجاهلها المجلس التشريعي أو البرلمان تقضي بضرورة الاتفاق المسبق حول قضايا ما بعد الانفصال خاصة تلك التي يمكن أن تفجِّر الحرب بين الدولتين الوليدتين إذا لم يُتفق عليها قبل الانفصال وأهمها حدود الجارتين وهل اشتعلت الحرب بين إثيوبيا وإريتريا إلا حول الحدود وهل توتَّرت العلاقات بين الهند وباكستان واشتعلت الحرب إلا حول تبعية كشمير؟!

إذن فإن منطق غازي لا يمكن ولا يجوز أن ينتطح عليه عنزان بالرغم من أن رهن إجراء الاستفتاء بالاتفاق المسبق حول هذه القضايا الشائكة قد يؤجل الاستفتاء لعدة سنوات بينما عندما يعمل الشريكان المتشاكسان تحت ضغط ضرورة الاتفاق خلال مدى زمني معيَّن فإن ذلك ربما يحملهما ويُجبرهما على إيلاء الأمر ما يستحق من اهتمام وسرعة تحرُّك بغرض الفراغ من تلك الأجندة قبل إجراء الاستفتاء.

هذا يجعلني أقف في المنطقة الوسطى بين الخيار الذي يطرحه غازي والذي قد يقود إلى التسويف والتأجيل وبالتالي استمرار لعنة وحدة الدماء والدموع أو خيار العمل تحت ضغط ضرورة إيجاد حلول خلال المدى الزمني المعيَّن.

صحيح أن القضايا المثارة التي تحتاج إلى حسم قبل إجراء الاستفتاء كثيرة الأمر الذي قد يستغرق وقتاً طويلاً ومن ذلك مثلاً الجنسية والديون والمعاهدات الدولية والجنوبيون الموجودون في الشمال لكني لا أرى مشكلة البتة في الاتفاق على هذه القضايا التي لا أعتبرها صعبة الحل بالنظر إلى أن التجربة العالمية يمكن أن تُسعفنا فهناك دول كثيرة انفصلت ويمكن الاستعانة بتجاربها لمعالجة هذه القضايا من خلال تكوين لجان مشتركة لزيارة عدد من الدول أو من خلال الحصول على المعلومات بوسائل أخرى مثل الإنترنت وأشعر أن هذه المسائل سهلة وميسورة الحل لو توفرت الإرادة وأزحنا باقان وعرمان اللذين يستمتعان ويسعدان ويشعران أنهما يرتعان في نعيم الجنان عندما يجدان مشكلة أو يفتعلانها افتعالاً!!

نرجع لموضوع الحدود وأطلب من الرئيس أن يتولى هذا الملف بنفسه بحيث ينشئ له آلية ترفع له تطورات الأمر من حين لآخر وعلينا أن لا نتحرج في أن نستقدم خبراء أجانب محايدين إن ضعفت إمكاناتنا أو انعدمت الثقة على ألا نُلدغ من جحر خبراء أبيي الذي حشرْنا فيه أنفسنا بدون أي مبرِّر وارتكبنا خطأً تاريخياً حين أسلمنا رقابنا لعدونا بيترسون الذي كنا نعلم يقيناً أنه لا يقل بغضاً لنا من بغض باقان لأبناء الشمال الذين يتآمر عليهم ويؤلِّب ويحرِّض آناء الليل وأطراف النهار لذلك أحذر من الاستعانة بخبراء خواجات أو حتى أفارقة وكفانا الإيقاد «الإفريقية» وشركاؤها وسادتها شركاء الإيقاد من خواجات أوروبا وأمريكا فهم مع غفلتنا وانبطاحنا المسؤولون عما حاق بنا من كوارث نيفاشا خاصة بعد أن أُبعد العرب والمسلمون بالترهيب قبل الترغيب عن ملف التفاوض.

إن أخشى ما أخشاه أن ترضخ الحكومة أو قل المؤتمر الوطني خلال الفترة المتبقية من تاريخ الاستفتاء والانتخابات خاصة بعد أن رأينا وسمعنا بعضاً من الصلف الأمريكي الذي عبَّرت عنه وزيرة خارجية أمريكا هيلاري كلينتون ومبعوث أوباما إسكوت غراشيون وهما يعلقان خلال الأيام القليلة الماضية على قانون الأمن الذي طلبا تجميده بعد أن أُجيز من البرلمان وعلى مسيرة الإثنين التي سانداها بقوة خاصة وأنهما قد قالا إن أمريكا ستواصل الضغط على الشمال وتحدَّثا حديث الوالد المشفق على طفله المريض عندما تعرَّضا للحركة الشعبية وجنوب السودان!!

لقد تكأكأ زعماء نيفاشا ومجرموها «وزراء خارجية أمريكا وبريطانيا والنرويج» ليصدروا بياناً مشتركاً حول ذكرى تلك الاتفاقية التي لم يذكرها أحدٌ في السودان الشمالي وكيف لا يحتفلون باتفاقية «سايكس بيكو» الجديدة التي لفّت الحبل حول عنق الشمال وأتت بالحركة الشعبية وجيشها إلى قلب الخرطوم لمحاصرة البرلمان بعد أن كانوا عاجزين قبل نيفاشا عن دخول جوبا من خلال الحرب.

آسف لهذا الاستطراد الذي ما أردت منه إلا التحذير من السماح بحشر الأنف الأمريكية في الشأن السوداني خلال الفترة الحرجة القادمة خاصة وأن استفتاء أبيي لا يزال معلقاً بمفوضية لا أشك أنها ستواجه الكثير من الصعاب في وجود باقان وعرمان ومن خلفهما غراشيون وكلينتون وعلى الحكومة وقد أرجأت المشكلة ومنحت الحل للمفوضية أن تأخذ حِذرها ولا تأتينا ببيترسون جديد ليرأس المفوضية حتى لا تجعل من أبيي قنبلة موقوتة خاصة وأننا نرى اليوم لهيبها تحت الرماد من خلال الرفض المسيري لقانون استفتاء أبيي.

كذلك فإن قانون المشورة الشعبية للنيل الأزرق وجبال النوبة يحتاج إلى وقفة صلبة من المؤتمر الوطني ولا أظن أن أجندة الحركة الشعبية حول المنطقتين تخفى على أحد الآن ذلك أن الحركة ما أدخلت المنطقتين بضغط من أمريكا وصويحباتها من شركاء الإيقاد إلا لتزرع شوكة سامة في خاصرة الشمال وإلا فخبروني بربكم ما هي علاقة المنطقتين أصلاً بجنوب السودان بحدود 6591م وبمشكلة جنوب السودان؟! إن الحركة الشعبية لم تُرد بإدخال المنطقتين إلا لتكونا بؤرتين لحرب قادمة وعلى الحكومة أن تعلم أن أي تنازل حول الأمر سيدفع الشمال ثمنه غالياً في المستقبل لذلك لابد من إيلاء شعبَي المنطقتين اهتماماً كبيراً ورصد موازنة وأموال ضخمة للإحاطة بحرب المستقبل ومنعها من أن تشتعل