زفرات حرى

 

أشعر بالأسى أن مدارس ولاية شمال كردفان ظلت مغلقة لمدة شهرين بسبب إضراب المعلمين الذين توقفوا عن العمل جراء عدم صرف رواتبهم!!

بالله عليكم كيف يجوز لولاية أن تمنِّي مواطنيها بالتنمية والخدمات الأساسية ـ ولا أقول الرفاهية ـ في حين أنها لا تستطيع دفع رواتب المعلمين؟! ما هى الشرعية التي تخول حكومة الولاية بالاستمرار في عملها وهي لا تستطيع توفير أهم ضرورات الحياة وأبسط ما ينبغي أن يقدَّم من خدمات للمواطنين؟!

كم هي مدة العام الدراسي أصلاً بعد الإجازات الكثيرة التي يأخذ بعضها برقاب بعض خاصة مع خصم يوم السبت الذي يقلِّل وحده على مدار السنة أكثر من شهر من العام الدراسي هذا علاوة على التأخير الذي تسببت فيه وزارة التربية المركزية نتيجة لعدم جاهزيتها؟!

أعجب والله أن تعجز حكومة الولاية حتى عن توفير الرواتب على قلتها بالرغم من أنها لا تكفي لإعاشة فرد واحد ناهيك عن أسرة تضم أطفالاً يحتاجون إلى الرعاية الصحية والتعليم بقدر ما يحتاجون إلى الطعام والسكن وغير ذلك من مطلوبات الحياة!!

أعجب أكثر أن تعلم الحكومة المركزية بمثل هذه المشكلة ويمضي شهران كاملان وهى «تتفرج» من بعيد وكأن الأمر لا يعنيها!! كيف يحدث ذلك من باب المسؤولية الأخلاقية ناهيك عن الاعتبارات السياسية والبلاد مقبلة على انتخابات تعجز الحكومة والحزب الذي يقدِّم نفسه للجماهير باعتباره الأكثر اهتماماً بقضاياها عن توفير التعليم لأطفال السودان وهل من قضية أهم من تعليم الأطفال؟!

إنها جناية النظام الفيدرالي لحكم بلاد تكدح معظم ولاياتها ومحلياتها وتنصب طوال الشهر في سبيل توفير المرتبات لجهازها المترهل.. إنها مشكلة القفز في الهواء بانتهاج نظام حكم أرهق الناس بالجبايات والرسوم التي لا تُفرض من أجل التنمية وإنما من أجل دفع الرواتب والمخصصات!!

أكاد أجزم بأنه لم تُجرَ «دراسة جدوى» علمية قبل الإقدام على هذه الخطوة التي بدلاً من أن يُعاد النظر فيها بعد حين بناء على التجربة العملية مضت الحكومة في تعميقها وتمديدها لاعتبارات سياسية بعيدة كل البعد عن الاعتبارات الاقتصادية والتنموية وإلا فقولوا لي بربكم ما السبب الذي جعل ولاية الخرطوم بملايينها السبعة تقلِّص عدد محلياتها إلى سبع محليات بينما ترفع بعض الولايات الفقيرة التي لا يتجاوز سكانها المليون أو المليونين عدد محلياتها إلى أكثر من عشرين محلية؟! هل تقوم الحيثيات على اعتبارات سياسية فقط أم أن الأمر ينبغي أن يعتمد على دراسة علمية متكاملة تستفيد من الدراسات والمعايير التي تبنتها الدول الأخرى الأكثر تقدماً قبل اعتمادها النظام الفيدرالي؟!

أغرب ما سمعت أن البلاد مقبلة على إقامة مزيد من الولايات في وقت تشتد فيه الأزمة الاقتصادية بسبب الأزمة العالمية وتعقيدات المشهد السياسي وتدني أسعار البترول بل ونقص الإنتاج الزراعي بسبب قلة الأمطار!!

تأملوا بربكم الترهل الأفقي في الخدمة المدنية على امتداد البلاد التي تمتلئ بجيوش جرارة من الموظفين والعمال على مستوى كل ولاية بما في ذلك الجهاز التنفيذي والمجلس التشريعي ثم على مستوى كل محلية من محليات السودان الشمالي التي يتجاوز عددها المائتين.. ولا أتحدث عن الجنوب الذي هو «لا في العير ولا في النفير» والذي لا تقوم فيه دولة ويفتك به الفساد والجوع وتنعدم الخدمات وبالتالي التنمية!!

لم أتحدث بالطبع عن الجهاز التنفيذي المركزي بما في ذلك مجلس الوزراء والوزارات والمجلس الوطني والهيئات والمؤسسات الحكومية بما في ذلك الجامعات والمستشفيات المركزية أو الولائية!!

قارنوا بربكم بين الحال في السودان والدول المجاورة بما في ذلك مصر وكينيا وأوغندا!!

إن النظام الفيدرالي حقق فائدة واحدة تقريباً تتمثل في تقصير الظل الإداري لكنه أضعف سلطان الدولة المركزية وأرهق كاهل الموازنة العامة وقلص من الخدمات والتنمية وأضعف الوحدة الوطنية وهذه لا تحتاج إلى أدلة ويكفي أن أضرب مثالاً بالإعلام الذي كان يعتبر إحدى أكبر مُمسكات الوحدة الوطنية وإذا كان الناس قديماً يستمعون إلى إذاعة مركزية واحدة وتلفزيون قومي واحد فقد أصبح لكل محلية معتمد يخصِّص لنفسه محطة تلفزيون تنقل أخباره ولا تكاد البلاد تُجمع على مشاهدة نشرة أخبار إذاعة أو تلفزيون السودان فلكل ولاية أو محلية نشرة أخبار مستقلة تماماً عن نشرة أخبار تلفزيون وإذاعة السودان وبالتالي لا يكاد إنسان كتم أو الفاو أو الهوبجي يشاهد التلفزيون القومي أو الإذاعة القومية حتى يقتنع بأنه جزء من هذا السودان المترامي الأطراف وأن عاصمته هي الخرطوم ورئيسه هو البشير مثلاً!!

من أسفٍ فإنه لا يوجد من فكَّر في إخضاع النظام الفيدرالي للدراسة من حيث الإيجابيات والسلبيات ولذلك حقَّ لأطفال شمال كردفان أن ينتظروا المجهول في انتظار من يُعيد النظر في السياسات التي أفضت إلى هذا الواقع الأليم.

لا أدعو بمقالي هذا إلى إلغاء النظام الفيدرالي ضربة لازب وإنما إلى إعادة النظر فيه بما ينفي عنه الترهل الذي يتصف به الآن وليتنا نعود إلى النظام الذي ابتدعه الإنجليز المشهورون بحسن الإدارة والذين قسموا السودان إلى تسعة أقاليم بما يعني أن السودان الشمالي سيتكوَّن من ستة أقاليم تضم مجالس محلية شبيهة بالمحليات الحالية لكنها بالقطع أقل كلفة وأكثر كفاءة