زفرات حرى

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

خبر صغير في محتواه كبير في معناه وأبعاده مرّ مرور الكرام على أهل السياسة والرأي في بلادي أوردته صحيفة «اليوم السابع» المصرية وقالت فيه: «إن وزير الري المصري محمد نصرالدين علام قال إن بعثة الأبحاث المصرية قد غادرت السودان بعد قيامها بدراسة تأثير قيام سد مروي على الانخفاض الذي حدث في منسوب بحيرة ناصر».

الخبر أثار حفيظة مدير إدارة مياه النيل بوزارة الري السودانية الذي نفى أن تكون بعثة الأبحاث المصرية قد جاءت لبحث تأثير سد مروي على انخفاض منسوب مياه بحيرة ناصر وقال إنها بعثة روتينية لكن من نصدق يا تُرى... الوزير المصري الذي لم يصدر نفي لتصريحه أم مدير المياه بالسودان حيدر يوسف؟!

إذن فإن مصر تساورها الشكوك حول تأثير سد مروي على كميات المياه المتدفقة نحوها الأمر الذي يعيد إلى الأذهان الحديث القديم المتجدِّد عن أن مصر تضيق ذرعاً بل تسعى إلى تعويق أي مشروعات سدود يقوم السودان بإنجازها للاستفادة من الحصة المقررة له في اتفاقية مياه النيل والتي لم يستطع حتى الآن استهلاكها بالرغم من أن حصة السودان تبلغ ثلث حصة مصر من مياه النيل وكذلك بالرغم من أن السودان تبلغ مساحته ثلاث مرات تقريباً مساحة مصر!!

أعلم أن النيل يمثل بالنسبة لمصر المرتكز الأساسي لأمنها القومي فمصر كما يقول هوميروس من قديم: «هبة النيل» وبدونه تصبح مجرد صحراء جرداء فنيل مصر خلّده القرآن الكريم في قصة نبي الله موسى وأشار إليه باليمّ الذي ألقي فيه النبي الكريم كما أشار إليه بحدوث الطوفان الذي عوقب به فرعون ولذلك كله ولغيره من الأسباب ظلت مصر ترفض وباستماتة محاولات دول حوض النيل الإفريقية العشر إعادة النظر في اتفاقية مياه النيل بما يقلل من حصة مصر.

على المستوى الشخصي فأنا أقدر تماماً حاجة مصر للمياه مع تنامي عدد سكانها وعلى المستوى الإستراتيجي لا يمكن لمسلم ولا يجوز أن يضيِّق على مصر بما يجعله متناغماً مع الموقف الإسرائيلي الذي يعتبرها عدوه الإستراتيجي فمصر تظل هى الأمل في نصر عزيز للإسلام في فلسطين وغيرها فهي التي أنقذت العالم الإسلامي مرتين إبان الغزوين التتاري والصليبي وستعود إن عاجلاً أو آجلاً لدورها التاريخي الذي سلبه منها من قزَّموها وحجَّموها وجعلوها تنكفئ على ذاتها وتصبح تابعاً ذليلاً لأعداء الأمة، على أن ما يؤلمني بحق هو أن حاجة مصر للمياه لا ينبغي أن تجعلها أو بالأحرى تجعل حكامها يتصرفون بأنانية تبلغ درجة تعويق السودان عن الاستفادة من حصته الضئيلة التي مُنحت له في اتفاق ظالم أُبرم في القاهرة بليل حالك السواد!!

أعلم علم اليقين، وقد عشت في الخليج العربي لأكثر من عقد ونصف من الزمان مقدار الضغوط التي مارستها مصر على بعض دوله للحيلولة دون إسهامها في إقامة بعض مشاريع السدود كما أعلم الدور المصري في التضييق على السودان من خلال تعويق حل بعض مشكلاته حتى تحُول دون تقدُّمه وازدهاره، ولعل مشكلة دارفور التي ظلت مصر ترفض أن تُحل إلا عبر بوابتها الموصدة خير دليل على ذلك كما أن موقفها من الجنائية التي تتخذ مصر منها موقفاً غريباً ومتعارضاً مع الموقف العربي الرافض لمحكمة الجنايات الدولية ثم موقفها المتخاذل في مؤتمر الفرانكفونية الذي جعل مصر ترضخ لضغوط الرئيس الفرنسي اليهودي ساركوزي حين حوَّلته من أرضها إلى باريس حتى تتجنب إغضاب ساركوزي وحضور البشير للمؤتمر يقف شاهداً على تضاؤل الدور المصري وارتمائه في أحضان أعداء الأمة وما الجدار الفولاذي الذي شرعت مصر في إقامته بغرض خنق مليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في غزة إلا دليلاً آخر دامغاً على حالة مصر القرن الحادي والعشرين!!

اقرأوا تصريح وزير خارجية مصر أحمد أبوالغيط الذي نشرته صحيفة الأحداث بتاريخ 62/21/9002م نقلاً عن التلفزيون المصري فقد قال الرجل: إن بلاده تمثل «المستودع الإستراتيجي الداعم لكل دولة عربية تتعرض لمصاعب»!! بربكم هل تدعم مصر محيطها العربي الذي يتعرض لمصاعب أم تسلمه وتبيعه للأعداء نظير ثمن بخس؟!

متى تدرك مصر الرسمية أنها تباعد بينها وبين الشعوب العربية والإسلامية بمواقفها المساندة لتوجُّهات أعداء الأمة؟! متى تدرك أن موقفها من وحدة السودان أو انفصاله ينبغي أن يتّسق مع رغبة السودان وشعبه في المقام الأول ولا تُخضعه لسياستها وإستراتيجياتها ذلك أن السودان كان الوحيد الذي لم يقاطع مصر عندما اتخذت قرارها بتوقيع كارثة كامب ديفيد والذي كان حينها قد أغضب العرب جميعًا؟!

أختم بعقد المقارنة بين موقف مصر من مؤتمر الفرانكفونية الذي أرضت فيه مصر ساركوزي على حساب البشير وبين موقف الرئيس الجزائري بوتفليقة الذي رفض مجرد حضور المؤتمر مساندةً للبشير بالرغم من أنه ليس منعقداً في أرضه.