زفرات حرى

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إذا كُنا قد تحسّرنا في مقال الأمس وتساءلنا عن أسباب عجز المؤتمر الوطني عن الفعل رغم توافر أدواته وعن السبب في قدرة الحركة الشعبية وباقانها وعرمانها على التحرُّك رغم ضعف آلياتهم ومؤهِّلاتهم وإذا كنا قد ضربنا مثلاً بالجماهير التي يزهد المؤتمر الوطني في استخدامها وحشدها رغم أنها طوع بنانه بينما تهدِّد الحركة بها رغم أنها لا تملك منها شيئاً يذكر... أقول إذا كنا قد تحسّرنا وتساءلنا عن العجز في استخدام (كرت) الجماهير لكسر غرور الحركة وتابعيها من بني علمان وأحزاب الغفلة ممَّن ظنوا أنهم باتوا قاب قوسين أو أدنى من القيام بانتفاضة تقتلع النظام الحاكم ولإقناع العالم أجمع بأن شعب السودان الشمالي أوعى من أن تسوقه حركة المغول الجُدد نحو حتفه بظلفه ومن أن يسلم عنقه لجلاديه فإن الأمر يتجاوز (كرت) الجماهير إلى (كروت) أخرى ظلت مغمورة ومطمورة في بئر عجز المؤتمر الوطني.

لكن قبل أن أُغادر محطة (الجماهير) أقول بأن عرمان قد توعّد المؤتمر الوطني في الخبر الذي أوردناه في مقال الأمس بأن الحركة (ستواصل العمل الجماهيري السلمي) وبالتالي فإن الحركة بعد أن تذوقت (حلاوة) التهديد بتحريك الجماهير ها هي تهدِّد مرة أخرى بمواصلة المسيرات وصولاً إلى ما سمّاه عرمان (بالتغيير الجذري) الذي لا أخال أن أحداً يشكك في أن المقصود به هو الانتفاضة الشعبية التي تقتلع النظام!!

 من أسفٍ فإن المؤتمر الوطني بسبب التغييرات المستمرة في قياداته السياسية قد لا يدرك القائمون على أمره من قياداته الجديدة كثيراً من توجُّهات وأهداف الحركة الشعبية لأنهم لم يطّلعوا على أدبياتها من خلال خطابات قرنق ومحاضراته بل من خلال دستور الحركة ولو علموا لفهموا أبعاد ما تقوم به الحركة الآن من تصرفات تصعيدية ولأدركوا أن التنازلات مهما كانت لن تغيِّر من الأهداف الإستراتيجية للحركة والمتمثلة في إقامة مشروع السودان الجديد الذي تعمل الحركة على القفز إليه انطلاقاً من الوضع الراهن الذي جاء نتيجة لاتفاقية نيفاشا والذي يُعتبر مرحلة انتقالية بين أنموذج الدولة العربية الإسلامية السابقة للاتفاقية Arab Islamic State ومرحلة الهدف الإستراتيجي المتمثلة في مشروع السودان الجديد الديمقراطي Demogratic new Sudan وليت القوم أدركوا معنى إصرار الحركة على إجراء الانتخابات قبل الاستفتاء رغم غرابة ذلك التصرُّف وفهموا أن الحركة لم تُرد بذلك إلا القفز مباشرة من الواقع الانتقالي الحالي إلى أنموذج السودان الجديد في حالة الفوز بالانتخابات والذي يمكِّنها من حكم السودان بمعية بعض تابعيها من أحزاب التجمُّع الوطني الديمقراطي المتناغمين مع طروحاتها الفكرية والعقائدية مما يجعلها حينئذٍ تقرر الوحدة في الاستفتاء الذي ربما لا تحتاج إليه أو اللجوء إلى خيار الانفصال في حالة الفشل في كسب الانتخابات ولعل تصريحات باقان الذي قال إنهم سيختارون الانفصال إذا لم يفوزوا في الانتخابات تكشف عن حقيقة توجُّهات الحركة لو كان قومي يقرأون أو يعلمون!!

 أرجع لأقول إنه لمن الخطأ الجسيم أن يتصور المؤتمر الوطني أن الحركة ستُقلع عن افتعال المشكلات وخلق التوترات التي هى جزء من شخصية باقان وعرمان والتي تسعى إلى استخدامها في سبيل تحقيق حلم السودان الجديد الذي تتوسل إليه من خلال الانتفاضة قبل الانتخابات أو من خلال كسب الانتخابات إذا لم تنجح في اقتلاع المؤتمر الوطني قبل إجرائها ولذلك يجب على المؤتمر الوطني أن يتعامل مع هذه الحقيقة ولا يمنِّي نفسه بالتوافق أو الاتفاق المستحيل مع باقان وعرمان اللذين يتربصان به مستخدمَين الضغوط الأمريكية التي باتت تتابع حتى مماحكات الحركة ونزاعاتها اليومية وأصبح الناطق الرسمي للخارجية الأمريكية يتابع ويخاطب العالم حول ما جرى ويجري في برلمان السودان يوماً بيوم وساعة بساعة!!

 لعلّ الحقيقة المذكورة أعلاه حول توجُّهات الحركة ينبغي أن تجعل المؤتمر الوطني يعاملها على أساس أنها العدو الإستراتيجي الأوحد الأمر الذي يدعو إلى أن يُراجع المؤتمر الوطني خريطة تحالفاته واتفاقياته وأفعاله وخططه بحيث يعيد النظر في تعامله مع أحزاب القبلة والهُوية المشتركة بدلاً من الركض خلف سراب الحركة التي ينبغي أن يعلم أنها نقلت معاركها إلى البرلمان وإلى شوارع الخرطوم بعد أن كانت ذات يوم معزولة وطريدة في أدغال الجنوب بعيداً حتى عن جوبا ومدن الجنوب الأخرى!! أقول ذلك مذكِّراً بأن أحزاب القبلة هى الأقرب ذمةً ورحماً أما الأحزاب العلمانية والعنصرية التي لن تتخلى عن أهدافها الاستئصالية فلا مجال للمناورة والتحالف معها وإنما المواجهة والنزال الذي قد لا يختلف عن حرب الأدغال إلا من حيث النوع بالرغم من أن الحركة لم تستبعد خيار الحرب خاصة وأن جيشها بات في قلب الخرطوم بعد أن كان ذات يوم لا يحلم بدخول جوبا!!

 لقد بلغ صلفُ الحركة وغرورُها درجةً غير مسبوقة ولم يقتصر ذلك على خميرتي العكننة باقان وعرمان وإنما وصل إلى الفريق أول سلفا كير نائب رئيس الجمهورية الذي خاطب المصلين في كنيسة الأم تريزا بقوله: إنه لن يقبل (زيادة أو نقصان شولة) من القوانين الموضوعة على طاولة البرلمان!!

 يحدث ذلك الابتزاز والضغط والهجوم في ظل تراجع وتنازلات من جانب المؤتمر الوطني فما الذي دهى المؤتمر الوطني يا تُرى؟!

 العجب العجاب أن المؤتمر الوطني الذي يتخذ من هذا الأسلوب (الانبطاحي) مع الحركة شِرعةً ومنهاجاً يملك من (كروت) الضغط على الحركة ما يستطيع أن يُحيل به نهارها إلى ليل وهل من (كرت) أقوى من حالة التضييق على الحريات الذي تمارسه الحركة ضد خصومها من الأحزاب الأخرى في جنوب السودان والذي بلغ درجة أن يصرِّح به رئيسها من على شاشة قناة الجزيرة بأنهم لن يسمحوا لحزب التغيير الديمقراطي بممارسة العمل السياسي وهل من سلاح أقوى من إعمال مبدأ العين بالعين والسن بالسن الذي صرح الرئيس البشير أنهم سيُعملونه في تعاملهم مع الحركة وهل من دليل أكبر على أن هذا الأسلوب هو الوحيد الذي تعترف به الحركة وتتعامل به من انصياعها ورضوخها عندما عقد د. نافع علي نافع مؤتمره الصحفي وكال لها الصاع صاعين بالأدلة والبراهين؟!

 إنني إذ أُنادي باستخدام هذا المبدأ لا أعني البتة أن يُضيَّق على الحريات بقدر ما أعني أن يُفرض على الحركة أن تطبِّق ما تطالب به من تحوُّل ديمقراطي وحرية تعبير في بلادها (جنوب السودان) حتى تقنع الناس بأنها تحترم عقول الناس وأنها جادّة وصادقة في حديثها عن الحريات وأنها لا تأمر الناس بالبر وتنسى نفسها.