زفرات حرى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 

بعد التوصل إلى اتفاق بين الشريكين دعونا نجيب عن السؤال التالي بصدق وصراحة لا نجامل بها أحداً كائناً من كان... من هو الرابح ومن هو الخاسر؟!

٭ أجدني لا أتّفق مع الأخ الصادق الرزيقي ذلك أن الرابح الأكبر في نظري هو الحركة الشعبية التي تأكد لها من خلال رضوخ المؤتمر الوطني وسرعة التوصل إلى اتفاق حول القضايا العالقة أن الوسيلة القديمة التي نجحت في استخدامها لتمرير الكثير من طروحاتها وأجندتها السياسية من لدن نيفاشا ومكاسبها الكبيرة للحركة حتى القوانين الأخيرة... أن تلك الوسيلة القديمة المتمثلة في تكثيف الضغوط والاستعانة بالقوى الخارجية كما حدث في نيفاشا أو القوى الداخلية المعارضة كما حدث من خلال توظيف واستخدام أحزاب مؤتمر جوبا مع التوظيف الأمثل للإعلام الخارجي «قناة الجزيرة الـ BBC قناة العربية وغيرها» هي الأنجع في تحقيق الأهداف وبالتالي هي التي ينبغي أن تلجأ إليها كلَّما حدثت مشكلة مع المؤتمر الوطني أو كلَّما أرادت تصعيداً معه وهل من نجاح أكبر من تمكُّن الحركة من جرّ أحزاب المعارضة في الشمال من لجام مراراتها وفي الجنوب من خلال وسائل أخرى معلومة إلى التحالف معها رغم أن الأولى «الأحزاب الشمالية» هي الأقرب هويةً ورحماً إلى المؤتمر الوطني؟!

٭ الخاسر الأكبر كذلك هو أحزاب مؤتمر جوبا التي استُخدمت من قِبل الحركة ثم رُكلت وخرجت صفر اليدين ولم تتعلم من دروس التاريخ وعِبَرِهِ خاصةً من تجربتها مع الحركة الشعبية إبان أيام التجمُّع الوطني الديمقراطي البائد ولعل أكثر تلك الأحزاب خسارة هو حزب الأمة القومي ذلك أن الشعبي لا وزن له غير شيخه المستسلم لمراراته أما الشيوعي فإنه حليف للحركة ويعتبر كل كسب تحققه كسباً له في تحقيق جزء كبير من أهدافه الإستراتيجية.

خسارة أحزاب الشمال خاصة الصادق المهدي تكمن في تحالفها مع الحركة الشعبية لتدمير السودان المبغوضة لدى الشماليين بسبب سلوكها السياسي المعادي بكل ما يعنيه ذلك من تأثير سلبي على صورة تلك الأحزاب لدى شعب السودان الشمالي كون الحركة مرتبطة في الذاكرة الشمالية بأحداث الإثنين الأسود وبسعيها لدى الإدارة الأمريكية للتضييق على الشمال وحصاره وكذلك بكراهيتها للشمال والشماليين والمُعبَّر عنه بقوة من خلال احتفال الحركة بعمليات التطهير العرقي التي استهدفت أبناء الشمال في بداية التمرد اللعين في توريت عام 5591م.

صحيح أن الحركة بسلوكها العدائي المتواصل من قديم خاصة أولاد قرنق يعملون ضد أجندتهم لتحقيق حلم مشروع السودان الجديد الذي يسعون من خلال السعي لتحقيقه لحكم السودان الموحَّد شمالاً وجنوباً وأنهم قد وضعوا حواجز كثيفة بينهم وبين أبناء السودان الشمالي وهذا يصب في مصلحة أحزاب الشمال غير المرتبطة بتحالف جوبا لكن ذلك لا ينفي حقيقة أنها حققت مكاسب أخرى كبيرة من خلال الضغط لتحقيق أجندتها الأخرى.

من أسفٍ فإن السودان يعاني من فقر مدقع في مراكز ومؤسسات استطلاع الرأي التي تحدِّد اتجاهات وميول الجماهير وإني لعلى يقين أن الحركة قد فقدت الشمال تماماً ولا عزاء لقطاع الشمال ورئيسه عرمان الذي فشل في إقناع رئيس الحركة حتى اليوم بزيارة أيٍّ من الولايات الشمالية خارج الجنوب بينما يقضي الرجل معظم وقته في جوبا بالرغم من أنه يحتل منصب النائب الأول لرئيس جمهورية السودان!!

خسر المؤتمر الوطني كذلك فقد كشفت الأزمة الأخيرة أن حالة الانبطاح لاتزال «تتاوره» كلما تكثف عليه الضغط بل وتشل تفكيره ولعل السؤال الذي يلح عليّ وعلى الكثيرين هو لماذا لم تستجب الحكومة ممثلة في حزبها الأكبر إلا بعد الأزمة الأخيرة والتهديد باللجوء إلى الشارع ثم الحملة الإعلامية التي صاحبت التصدي للمسيرة والتي نجحت بصورة كبيرة في تكثيف الضغط على الحكومة وحزبها الحاكم؟!

بربكم أما كان من الممكن أن يحوِّل المؤتمر الوطني هذه الأزمة لمصلحته ويوظِّف حالة العداء والكراهية لدى مواطني السودان الشمالي ضد الحركة الشعبية وأزمة الثقة التي غذّاها سلوكُها المتآمر على الدوام على الشمال وإثارتها للمشكلات المتواصلة... يوظِّف هذه الحالة لحشد الناس من خلفه؟

هل نسي المؤتمر الوطني الانعطاف الجماهيري الكبير تأييداً للرئيس البشير بعد صدور قرار المحكمة الجنائية المستفزّ لمشاعر وكرامة شعب السودان الشمالي؟!

هل كان صعباً على المؤتمر الوطني أن يحشد مسيرة مليونية في الخرطوم ضد تصرفات الحركة وحلفائها يخاطبها الرئيس البشير في العراء وأن يُطلب إلى كل محلية مثلاً أن تحشد مائتي ألف مواطن يلتقون في مكان معين؟! ألم يكن ذلك كافياً لردع باقان والترابي اللذين ظنّا أن ثورة أكتوبر جديدة قد آن أوانها؟! هل نسي المؤتمر الوطني اللقاءات الجماهرية التي أعقبت الجنائية في دارفور والتي خاطبها الرئيس البشير وتناقلتها الفضائيات باندهاش عجيب؟!

كان من الممكن أن يعلَن عن الموافقة على مسيرة المعارضة يوم الإثنين ثم مسيرة لمبغضي الحركة الشعبية وممارساتها يوم الخميس وأنا على يقين أن ذلك كان كافياً لفضح ضعف الحركة وحلفائها ولتغيير الصورة لدى المواطن العربي في الخارج بل وللعالم أجمع والتي رسمتها قناة الجزيرة وصويحباتها في ذهن المشاهدين بأن الحكومة معزولة وأن انتفاضة شعبية توشك أن تنصب باقان رئيساً على السودان!!

أقولها بصدق إن ما لمستُهُ من شعور لدى الشارع قبيل مسيرة باقان وعرمان الأولى كان يُشبه تماماً مشاعر أبناء الشمال عقب تفجير أحداث الإثنين الأسود والتي أعقبتها تلك الهبّة الشعبية التلقائية التي ردَّت الحركة الشعبية على أعقابها وحطَّمت من طموحاتها العمياء وكسرت من معنوياتها إلى أن تمكَّن باقان بالتنسيق مع شيوعي التجمُّع الوطني القديم فاروق أبو عيسى من جرّ أحزاب الغفلة إلى تحالف جوبا الذي أحيا آمال باقان وعرمان وجعلهما يقدمان ويسعيان إلى تفجير إثنين أسود جديد!!

لا أزال أرى أن الكرة في ملعب المؤتمر الوطني إذا نزع عنه رداء التردُّد والعجز والانبطاح الذي لا نزال نعاني من تداعياته وأقولها بصدق إن المؤتمر الوطني وأمانته السياسية خاصة يحتاجان إلى المبادرة وليت أمانة الإعلام تصبح جزءاً من الأمانة السياسية أو على الأقل تأتمر بأمرها حتى يحدث التناغم بين الأم وابنتها في سبيل تحقيق الهدف الواحد.

لو كنا في منبر السلام العادل نمتلك واحدًا في الألف من إمكانات المؤتمر الوطن لغيَّرنا وجه السودان ولما أتحنا لباقان وعرمان أن «يبرطعا» هكذا ويفقعا مراراتنا ويمزِّقا أكباد شعب السودان الشمالي آناء الليل وأطراف النهار.