زفرات حرى

 

 

٭ قلنا في مقالنا بالأمس إن باقان عبَّر عن فرح غامر بانعقاد مؤتمر جوبا الذي قال إنه يشتم فيه رياح أكتوبر التي قال إنه يسعى إلى استنساخها مجدداً من خلال تحريك جماهير الأحزاب المنضوية تحت قبة مؤتمر جوبا في تظاهرات شبيهة بتلك التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود.

٭ ونقول كذلك إن تصريحات باقان هذه تذكر بتصريحات أخرى سابقة لرفيق دربه ياسر عرمان الذي نشأ كذلك في أحضان الحزب الشيوعي السوداني، ولربما شارك الرجلان في ثورة أكتوبر التي أعقبها حكم جبهة الهيئات المُسيطر عليها من الحزب الشيوعي السوداني، ومعلوم أن عرمان كان قد هدد بتحريك الشارع من أجل إجبار شريكهم في الحكم «المؤتمر الوطني» على إجازة القوانين التي تطالب الحركة بتمريرها من داخل البرلمان.

٭ طبعاً الهدف من رياح أكتوبر التي استبشر باقان بقرب هبوبها، هو إسقاط النظام على غرار ما فعلته ثورة أكتوبر، وقلنا إن الانتفاضة كانت من الأجندة الثابتة التي كان قرنق يدعو إليها باعتبارها إحدى الوسائل لاقتلاع الحكومة. ومن هنا نستطيع أن نفهم كل مواقف الحركة من حكومة ما يُسمى بالوحدة الوطنية، بما في ذلك الموقف من الجنائية الدولية الذي يساند توقيف الرئيس البشير بهدف إحداث بلبلة واضطراب سياسي وفوضى «خلاَّقة»، كما يمكن أن نفهم قيام الحركة بتأليب أمريكا وكل العالم على الشمال والحكومة الذي نتجت عنه سياسة الإدارة الأمريكية تجاه السودان الشمالي المتمثلة في الضغط على الشمال ومساعدة الجنوب.

٭ باقان صرَّح عقب انفضاض مؤتمر جوبا بأن الحركة ستلجأ إلى المجتمع الدولي لضمان تنفيذ التوصيات التي خرج بها مؤتمر جوبا، وقال في التصريح المنشور بصحيفة «الرأي العام» بتاريخ 3/01/9002م إنه سيتواصل مع المجتمع الدولي لدفع الحكومة إلى تنفيذ تلك التوصيات.

٭ أعود للحوار الذي أُجري مع باقان، حيث قال الرجل ما نصَّه إنهم سيقدمون إعلان جوبا إلى «الشعب السوداني في حشود وتظاهرات جماهيرية في بقاع مختلفة من السودان»، وتشمل تلك التظاهرات الخرطوم وجوبا ونيالا وبورتسودان ومناطق أخرى..!!

٭ وأود أن أؤكد أن باقان يحلم فقط إن كان يظن أن تظاهراته هذه سيشارك فيها أبناء الشمال حتى وإن كان قد توسل إلى ذلك بالصادق المهدي الذي يفترض باقان أنه سيدعو جماهيره إلى المشاركة في تلك التظاهرات، وحتى إن فعل الإمام الصادق هذا فإني على يقين بأن التئام جماهير حزب الأمة مع مساندي الحركة الشعبية في تظاهرة واحدة ممكن تصديقه في حالة صدقنا أنه من الممكن الجمع بين الليل والنهار. وهل شارك أبناء الشمال في ثورة بعض أبناء الجنوب المساندين للحركة في شوارع الخرطوم في يوم الاثنين الأسود، أم أنها كانت حرباً من طرف واحد، بل عمليات تطهير عرقي ضد أبناء الشمال بمن فيهم جماهير حزب الأمة؟!

٭ وواهم من يظن أن لقاءات النخب الشمالية مع الحركة الشعبية يمكن أن تتنزل إلى القواعد، ولذلك فإن الحركة ستدعو جماهيرها إلى التظاهر الذي سيكون دموياً، وهو ما يدعوني إلى الطلب إلى القوات النظامية بأن تأخذ حذرها، وتتحسب لذلك اليوم المشؤوم..!!

٭ وثمة أمر آخر، وهو أن الأجهزة الأمنية تطلب من جميع التنظيمات السياسية أن تأخذ إذناً عند التظاهر، وأود أن أسأل هل حدث أن طلبت الحركة الشعبية إذناً من الحكومة في أي يوم من الأيام عند قيامها بأي نشاط سياسي؟! لماذا التدليل للحركة دون غيرها من القوى السياسية؟ وأين قرار الرئيس الذي قضى بمبدأ المعاملة بالمثل «العين بالعين والسن بالسن»..؟!

٭ ضحكت عندما قرأت حديث باقان عن «المصالحة الوطنية كآلية لتضميد الجراح»، وذلك بغرض «تجاوز المظالم والحرائق الكبيرة التي تم ارتكابها»!! وكذلك عن الاعتذار والاعتراف، وهو تهريج قديم ظل الرجل يهرف به كالببغاء دون أن يفكر في معانيه وأبعاده، وإلا فقولوا لي بربكم مَنْ الذي بدأ الحريق والقتل والتدمير..؟! مَنْ الذي ارتكب أول عملية تطهير عرقي، هل هم أبناء الشمال؟ أم أن أبناء الشمال هم الذين تعرضوا للقتل والذبح قبل استقلال السودان في ما عرف بتمرد توريت عام 5591م؟! ثم قولوا لي بربكم هل يعي باقان ما يهرف به حين يتحدث عن تضميد الجراح، وهو يعلم أن الحركة الشعبية قد أحيت ذكرى تمرد توريت قبل شهرين، واحتفلت بمقتل مئات الشماليين وسمت أولئك القتلة المجرمين بالأبطال، وسمى رئيسها الذي هو رئيس الجنوب والنائب الأول لرئيس الجمهورية السودانية الذي يُعتبر الشماليون من رعاياه.. سمى تلك الذكرى الأليمة بيوم الأبطال ويوم قدامى المحاربين (The veteran day) عن أي تضميد جراح يتحدث هؤلاء وهم يصفون شهداءنا بأقذع الصفات، ويعتبرون أبطال السودان الشمالي تجار رقيق، ويسمون مجرميهم بالأبطال..؟!