زفرات حرى

 

 

 

ومن عجائب السياسة في السودان أن السيد محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي «الأصل» قال معلقاً على مشاركة نائبه علي محمود حسنين في مؤتمر جوبا رغم قرار المكتب السياسي بمقاطعة ذلك المؤتمر... قال إن تصرُّف حسنين بالمشاركة كان «إيجابياً وصبّ في مصلحة الحزب رغم عدم مراعاته للمؤسسات التنظيمية» وقال الخبر المنشور في صحيفة «الأحداث» إن غالبية الأعضاء رأوا خلال اجتماع للمكتب السياسي أن تصرف حسنين لا يستحق الجدل الكثيف حوله كون تقديرات حسنين «كانت صائبة» على حد ما ورد في الخبر!! وأن الميرغني عارض بوضوح اتجاهاً برز من بعض قيادات الحزب لإخضاع نائبه حسنين للمحاسبة والموافقة على «فصله لمخالفته قرار المكتب السياسي بعدم المشاركة في مؤتمر جوبا».!!

 

دُهشت والله وأنا أتمعَّن في الخبر وحيثياته وتعجبتُ أيما عجب من حالة حزب يلعب على كل الحبال ويخلط الحابل بالنابل ويجمع بين الأضداد ويعاني من حالة «سيولة» وميوعة تجعله يفعل الشيء ونقيضه بلا مرجعية تقوده أو مؤسسية تنظيمية تضبط سلوكه أو سلوك قياداته أو مبادئ تحكم مسيرته وحزنتُ والله على حال الممارسة السياسية في السودان.

 

أُريد أن أسأل... بربكم هل يُعتبر حزب الميرغني مشاركاً في المؤتمر أم غير مشارك؟! الإجابة قبل تصريحات الميرغني الأخيرة المؤيِّدة لتصرُّف حسنين تختلف عن الإجابة بعدها؛ ذلك أن قرار المكتب السياسي الذي بارك تصرف حسنين يجُبُّ قرار المقاطعة ويكون حسنين بذلك مشاركاً بقرار من الميرغني ومكتبه السياسي فهل من مسخرة أكبر من أن يصدر القرار حول المشاركة بعد انتهاء المؤتمر وأن يفرض حسنين رأيه وتصرُّفه على الجميع ويعدل بقوته «العضلية» قرار المكتب السياسي بل وقرار الميرغني؟!.

 

إنه مسرح العبث يتجلّى في أبشع صوره ليحكي عن حال المؤسسات السياسية المنوط بها قيادة البلاد وتولي شؤون الحكم في السودان!!

 

بربكم أيهما جدير بالاحترام ويشبه العمل السياسي الراشد: تصرُّف حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي أم تصرف الحزب الاتحادي الديمقراطي «الأصل» بقيادة الميرغني؟! فالمهدي شارك في مؤتمر جوبا كما حضر الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحزب الحاكم بينما شارك حزب الميرغني في مؤتمر جوبا بنائب رئيس الحزب وقاطع الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحزب الحاكم.!!

 

قد يكون دافع الميرغني أن يفوِّت الفرصة على من يسعون إلى شقّ الحزب من خلال فصل نائب رئيسه لكن أيهما يحقِّق مصلحة الحزب ويُكسبه الاحترام ويجعله جديراً بقيادة البلاد ونيل ثقة مواطنيها: التزام المؤسسية التنظيمية وتقيُّد قيادة الحزب بها أم هذه الفوضى الضاربة الأطناب التي تُحيل الحزب إلى مجرد كيان هلامي أو «هرجلة سياسية» بلا ضابط ولا نظام ولا قرار حول أخطر القضايا الوطنية.؟!

 

حسنين لم يحضر اجتماع المكتب السياسي الذي قرر مقاطعة مؤتمر جوبا فقد كان خارج السودان ثم عاد من لندن ليشارك في مؤتمر جوبا ليس بصفته الشخصية وإنما جاء حاملاً اسم الحزب الاتحادي الديمقراطي!!

 

وكان على الرجل أن يحضر ويشارك في اجتماع المكتب السياسي ويلتزم بالقرار الذي يصدر عن الأغلبية لكنه لم يشارك في الاجتماع بينما «كسر» قراراته في تحدٍ سافر وخروج مدوٍ واستهانة بالحزب ومؤسساته وزعيمه!!.

 

قد يقول قائلٌ إن ما حدث يعبِّر عن نوع من «الشيطنة والفهلوة السياسية» التي تجعل الميرغني «يمسك العصا من النصف» ليُرضي الطرفين «الوطني والحركة» لكن يقيني أن هذا التصرُّف لن يُرضي أحداً بقدر ما يخصم من رصيده السياسي والوطني ويُظهر حزبه بمظهر بائس يستحق الرثاء والشفقة.

 

ثمة سؤال أخير.. هل هناك أيُّ تدخُّل مصري في قرار المكتب السياسي الأخير الذي بارك تصرف حسنين؟! الله وحده يعلم هذا بالطبع مع علم من يتعاطون مع مصر ذات العلاقة الخاصة بالمراغنة أبًا عن جد!!.

 

أجدني محتاجاً لأن أقول شيئاً في حق السيد الصادق المهدي الذي أقول بملء فيَّ إن معظم مواقفه السياسية تحظى بالاحترام ولا ينبغي بأي حال فهم حضوره مؤتمر جوبا إلا في إطار السياسة ومناوراتها التي تضطر الناس أحياناً إلى اتخاذ مواقف تبدو غريبة لكن بالقطع لها حيثياتها ومنطقها فالمهدي الذي دخل في مشروع التراضي الوطني مع حزب المؤتمر الوطني هو الذي حضر مؤتمر جوبا وليت المؤتمر الوطني يتفهّم دواعي قرار المهدي ويعمل على إرضائه بخطوات عملية لتفعيل التراضي الوطني فالمهدي يعلم تماماً ويصرح بأن الحركة تحمل مشروعا إفريقانياً علمانياً مصادماً لهوية السودان الشمالي وقد صرح بذلك مراراً وتكراراً ولذلك فإنه مقتنع تماماً بأن المؤتمر الوطني وأحزاب القبلة أقرب إليه كما يعلم أن الحركة ما كانت لتسلك سلوكاً مغايراً لما تقترفه اليوم في تعاملها مع شريكها الحالي لو كان المهدي هو البديل ولعل تجربته مع الحركة الشعبية أيام التجمُّع الوطني الديمقراطي الذي انسحب منه تكشف رؤاه الحقيقية كما يعلم ـ وهو القاريء المطّلع ـ أن الحركة ظلت تحمِّل حزبه وجميع القوى السياسية منذ الاستقلال المسؤولية عن العلاقة بين الشمال والجنوب وأقوال قرنق وباقان حول هذه المعاني تمتليء بها الأضابير كما أن المهدي سمع في الندوة التي حضرها في جوبا على هامش المؤتمر ما أقنعه بأن الهوة بينه وبين الحركة غير قابلة للردم فهلاّ التفت المؤتمر الوطني إلى هذه الحقيقة ودخل في حوار جاد مع المهدي من أجل مصلحة السودان وهُويته الحضارية التي تتهددها الحركة والقوى الدولية المساندة لها؟!.