زفرات حرى 
 الطيب مصطفى
  ورد في الأخبار أن الأستاذ علي عثمان محمد طه قد قال لدى مخاطبته مؤتمر منظمات المجتمع المدني الإفريقية (إن الغرب يريد حكومات ضعيفة ورؤساء يرتجفون له يلوح لهم بالمحاسبة الدولية في ساحات يسمونها زوراً وبهتاناً بالمحكمة الجنائية الدولية) واعتبر علي عثمان أن استهداف الرئيس البشير استهداف لإفريقيا ورموزها وإذهاب لهيبتهم.
ما كان الناس والشارع في حاجة إلى أكثر مما صرح به علي عثمان لإخماد الاشاعات الكثيرة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس حول خلافات بين الرئيس ونائبه ومؤامرة يكيد فيها أحدهم للآخر..راجت تلك الاشاعة في الشارع وتطاول أمدها وتطاير شررها حتى ظنها الناس بل ايقنوا أنها حقيقة راسخة سلموا بصحتها وسارت بها الركبان وامتلأت المجالس ولم يطفيء لهيبها تطمينات كبار المسئولين في الحزب الحاكم والحكومة.
اعترف بأني كنت من الذين انطلت عليهم الاشاعة التي أكاد الآن أجزم بأنها ولدت في منبت التآمر والكيد السياسي الذي تولى نفخها فسرت بين الناس كنار مضطرمة في هشيم سريع الاشتعال وتداولتها مجالس الأفراح والأتراح والمنتديات السياسية التي يتفرد بها السودانيون الذين غدوا مولعين "بالشمارات" السياسي.
صحيح أن الشيطان ينزغ بين الناس وما من حديث إفك إلا وألتقطه وصب عليه من نار السموم ما يحيله إلى فتنة عمياء تمشي بين الناس لكن ألم يكن هناك دخان كثيف يوحي بأن ثمة نار مشتعلة تحت الرماد ومن تراه المسؤول عن عدم تبديد ذلك الدخان الذي ملأ الآفاق والذي تخصصت بعض القوى السياسية المتربصة -خاصة من خصوم اليوم أحبة الأمس-في نشره بين الناس؟!
قبل أن أجيب على هذا السؤال دعونا نقرأ شخصية الأستاذ علي عثمان التي تغري بانتشار هذه الاشاعات وتفريخها وتربيها.
هنا مربط الفرس الذي دعاني إلى كتابة هذا المقال فالأستاذ علي عثمان ظل مقوداً لطبعه الهادي الرزين لا تخرجه عن وقاره رياح السياسة وأعاصيرها وتحدياتها وظل الرجل ممسكاً بخطام انفعالاته على الدوام حتى عندما اقتضى الأمر (افتعال) شيء من التعبير عن الغضب الذي تجتاح إليه السياسة أحياناً للتنفيس عن مشاعر الجماهير التي كثيراً ما تحتشد مؤملة في سماع ما يشفي غليلها ويروي ظمأ مشاعرها وانفعالاتها الملتهبة وما أدل على ذلك من الأثر الايجابي الذي أحدثته غضبة اردوغان التلقائية التي رفعت من شعبيته داخل تركيا ونصبيته معبراً عن أشواق الجماهير المسلمة في شتى أنحاء العالم.
قد لا يختلف اثنان في أن علي عثمان يتمتع بقدرات قيادية هائلة هي التي جعلته يلفت نظر المحيطين به ويتميز على غيره من الأقران ويحظى بالاحترام والتقدير ويتقدم الصفوف ويصعد نحو هرم القيادة منذ أكثر أن كان تلميذاً يافعاً حيث رأس اتحاد مدرسة الخرطوم الثانوية ثم اتحاد طلاب جامعة الخرطوم وظل الرجل هكذا طوال مسيرته السياسية بل والاجتماعية شخصية محورية نالت على الدوام اهتمام من يتعاملون معها وقد تجلت تلك الصفات القيادية في طفراته الكبرى خاصة عندما قفز الرجل إلى مركز الرجل الثاني في الحركة الإسلامية متقدماً على الشيوخ وكذلك عندما تزعم المعارضة في الجمعية التأسيسة عقب انتخابات عام 1985م وكان حينها في الثلاثنيات من عمرهولم ينل الرجل كل تلك المواقع استناداً إلى إرث طائفي دفع به إلى الامام فوق رقاب من يكبرونه سناً وخبرة وإنما حدث ذلك جزاء كسب ذاتي ومؤهلات شخصية لم يسهم فيها وضعه الاجتماعي والأسري بذرة من السند والمعاضدة فقد كان ابوه عاملاً بسيطاً وكانت أسررته بل عائلته الكبرى كذلك من غمار الناس لا نافذيهم أو وجهائهم.
أقول مجدداً أن من صفات علي عثمان التي عُرف بها أدبه الجم وقدرته الفائقة على التحكم في مشاعره وانفعالاته وهو بلا ريب أستاذ الحكمة التي تقول "أنت ملك الكلمة التي لم تقل فإذا قلتها ملكتك" فالرجل يتحلى بإحدى أهم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها السياسي وهي إلا يسبق لسانه عقله وهذه الصفة يتفرد بها الرجل ولا يجاري.
الكمال لله وحده ورحم الله امراّ عرف قدر نفسه وكما يقول الامام علي كرم الله وجهه "أن قيمة كل امرئ ما يحسنه" فعمر بن الخطاب ليس ابابكر الصديق وخالد بن الوليد ليس عثمان بن عفان وهكذا رجالها وكذلك للسياسة وكذلك لفنون التفاوض ودهاليزه.
رغم ذلك يظل الأستاذ علي عثمان محل احترام الجميع.
بقيت كلمة أخيرة أقولها في حق الرجل الذي ظل "الشعبيون" يتهمونه ويكيدون له ربما نقمة عليه واحتجاجاً على اختياره-عندما حدثت المفاصلة -الطرف الآخر الموازي لشيخه "القديم" الذي قربه وأدناه لكني أشهد بان علي عثمان كان بعيداً عن كثير مما رموه به فالرجل لم يكن جزءاً من مذكرة العشرة ولم يكن له علاقة بقرار الرابع من رمضان وذلك مما يدعو إلى الثقة به وأنه أبعد ما يكون عن التآمر على الرئيس البشير رغم أنف الشائين بالنميم.