زفرات حرى

 

 

يُعجبني الوضوح لأنه يختصر الطريق وأُبغض إظهار الإنسان غير ما يُبطن وهل النفاق إلا كذلك؟!

أقول هذا بين يدي الكلام الصريح الواضح لرجل يُعتبر الآن أقرب المقربين إلى الفريق أول سلفا كير رئيس الحركة الشعبية ورئيس حكومة الجنوب وهل من دليل على قرب الرجل إلى رئيس الجنوب أكبر من أن يولّى مهمة «سكرتير الحملة الانتخابية لرئيس حكومة الجنوب»؟!

إنه مارتن ماجوت ياك الذي ينحدر من قبيلة الدينكا وتحديداً من قوقريال مسقط رأس سلفا كير فقد قال الرجل لمحاورته هنادي عثمان بصحيفة «الرأي العام»... قال وهو يتحدث عن شريكهم في الحكم «المؤتمر الوطني»: «حالما ننفصل سيذهب معنا البترول بأجمعه ولن يتصرف فيه المؤتمر الوطني مرة أخرى وكذلك لن نسمح لهم بجالون بنزين»!! ثم قال ـ لا فُضَّ فوه ـ «لقد فات الأوان لوحدة السودان وكل من يتحدث عن الوحدة في هذا الوقت نقول لهم «حلم الجيعان عيش» ثم قال: «على الذين يتحدثون عن الوحدة في ذلك الوقت نقول لهم مرة أخرى عليكم أن تستيقظوا من الوهم الذي تعيشون فيه»!!

رغم ذلك... رغم ذلك... رغم ذلك لا يزال «الموهومون» يتحدثون عن فِرية الوحدة الجاذبة بل يهدرون الأموال من حُر مال الشمال الذي تتضور مدنُه وقراه لخدمات التعليم والصحة.. يهدرونها في مستنقع الجنوب الذي يبدي مسؤولوه ذلك الحقد الذي تعجز عن حمْله الجبال الراسيات ويتحدثون بدون أن يطلب منهم أحدٌ إبداء ذلك اللؤم وتلك المشاعر الحاقدة وبالرغم من ذلك فإن المنبطحين المنكسرين لا يكتفون باللواذ بالصمت وعدم التعقيب وإنما يُصرّون على ملء ما سمَّوه بصندوق دعم الوحدة بمال الشمال رغم شُحِّه وبالتنمية رغم حاجة أهل الشمال إليها!؟

هل هو «مرض نفسي» أو «ماسوشية» تجعل المرء «يتكسر» في من يمارس عليه مختلف صنوف الإذلال والقهر وبأي حق يُغدق هؤلاء على الجنوب من أموال الشمال بدون استئذان شعب الشمال؟!

يقول ياك في الحوار «إن كل مواطني الجنوب يريدون الانفصال هذا من جهة أما الجهة الأخرى أقولها لك بكل صراحة أية علاقة لنا بالشمال لن تستمر إلا بانفصال لأن الثقة بيننا انعدمت تماماً» ويقول كذلك في إجابة على سؤال المحررة عن ماذا سيحدث إذا استمرت الوحدة... يقول «ستقوم الحرب في أقرب وقت والخيار الوحيد لتحقيق الاستقرار للجنوب هو الانفصال ولن يكون هناك استقرار غيره»!!

«نصيحة تخضرك» يا ياك.. وهل ظللنا نقول غير هذا وهل قام منبر السلام العادل إلا لتحقيق حلمك وحلم قطاعات عريضة من أبناء السودان الشمالي ممن أخرجوا رؤوسهم من رمال الأوهام بعد أن اندفنوا فيها زماناً وهم أحياء عند ربهم يُرزقون!!

عندما سألت الصحفية أخانا ياك عن الجنوبيين الذين يعيشون في الشمال وقالت له إنهم «لن يصوِّتوا للانفصال باعتبار أن ما وجدوه في الخرطوم لن يجدوه في الجنوب قال لها بكل قوة عين وتحدٍّ نحتاج إليه في الشمال حتى نزيل حالة التكالب والتهافت والهرولة التي درجنا عليها... قال: «أؤكد تماماً بأنهم سيكونون أول من يصوِّت للانفصال بنسبة 001%» مبرراً ذلك بأنه نظراً «لأن الجنوبيين في الشمال يعيشون مواطنين من الدرجة الثانية في ظل ضغوط إنسانية وسياسية واجتماعية وأمنية وهم يعيشون الآن كلاجئين ونازحين في أطراف الخرطوم وهؤلاء هم أكثر تضرراً منا»!!

مسكين ياك والله فهو لا ينظر إلا بعين حولاء ولا يفتأ يُخسِر الميزان ويطفِّف تطفيفاً فهو يقول ذلك بالرغم من علمه أن بضعة ملايين من أبناء الجنوب لا يزالون يعيشون في السودان الشمالي حيث مواطنة الدرجة الثانية ولم تُغرِهم دولتُهم الحرة المستقلة لأن يعودوا إليها وينعموا بالعيش كمواطنين من الدرجة الأولى ولعلّ هذا أكثر ما يُخيفنا نحن في منبر السلام العادل أن يفضِّل هؤلاء جحيم الدرجة الثانية في الشمال على نعيم الدرجة الأولى في الجنوب ويصوّتوا للوحدة لنظل نتلظّى في عذابها ونطعم من زقّومها المُر نصف قرن آخر من الزمان أو ربما قرون!!

مسكين ياك الذي ينسى ما يتعرض له أبناء الشمال في جنوب السودان والذين يُفضَّل عليهم الأجانب من أبناء يوغندا وكينيا وغيرهما ناهيك عن أن يُعتبروا مواطنين حتى لو في الدرجة العاشرة!!

إن ياك يعلم علم اليقين أن الجنوب لم يعد موطناً لأبناء الشمال بل لم يعد موطناً لأبناء الجنوب من المسلمين ومن الأقليات الجنوبية الأخرى لكنه يأبى إلا أن يكيل بمكيالين كما يعلم أن الشماليين الذين يعيشون في الجنوب يُقتلون في وضح النهار وتصادَر ممتلكاتُهم بينما يعيش الجنوبيون في الشمال في أمن وأمان لا يخشى أيٌّ منهم على حياته وإلا لفرّوا إلى دولتهم وموطنهم وهذا كما ذكرت ما يُخيفنا ويُزعجنا نحن في منبر السلام العادل.

يسخر ياك منا نحن أبناء الشمال ويقول «حلم الجيعان عيش» أي أننا جوعى للوحدة مع الجنوب الذي لم نَرَ منه غير الموت والدماء والدموع ويقول إنهم لن يمنحونا جالوناً واحداً من بترولهم وينسى الرجل أن شركات البترول تعمل الآن في عدد من المربعات في مناطق مختلفة من الشمال بعد أن ثبت أن الشمال يعوم في بحيرة من البترول بل ينسى أن بترولهم هذا لن يُباع إلا عبر أنابيب البترول الشمالية الممتدة نحو بورتسودان وأن كلفة ذلك قد تعدل ما نحصل عليه اليوم من بترولهم هذا فضلاً عن أن بترول هجليج وأبيي يقع في الشمال علاوة على أن إزاحة الجنوب وأبنائه من الشمال حال الانفصال واقتلاع المشكلات الناجمة عن بقاء الجنوب بعرمانه وباقانه سيزيح عنا عبئاً سياسياً واقتصادياً كبيراً ويحل مشكلة ظلت تؤرقنا منذ الاستقلال بل قبل ذلك فهلاّ نشط ياك في إقناع الجنوبيين الذين يقول إنهم يرغبون في الانفصال.. إقناعهم بالعودة إلى موطنهم قبل أن نرجعهم بالقانون عقب الانفصال؟! وهلاّ بدأ بإقناع باقان بالعودة إلى موطنه ووقْف تأليب أمريكا والعالم أجمع ضد السودان؟ وأرجو أن يسمح لي الأخ عبدالماجد عبدالقادر أن أستخدم عبارته المعبِّرة التي ختم بها مقاله حول تصريحات ياك «المشتهي الحنيطير يطير