مناظير
زهير السراج
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 
بهدوء وحسم ورأي واضح لا يقبل الجدل (واللولوة)، أعادت مولانا (كوثر عوض) قاضية محكمة الأحوال الشخصية بالخرطوم الأمور الى نصابها الطبيعية برفض الطلب الذي تقدم به شخصان (رجل وامرأة) لإجراء عقد زواج (مسيار) تنازلت فيه المرأة عن حقها في الانجاب والسكن، وقالت مولانا كوثر ان المحكمة تتقيد بأحكام الشريعة الاسلامية، وقانون الأحوال الشخصية السوداني الذي لا يبيح زواج المسيار، وغير ملزمة بأي فتاوى تصدرها أية جهة من الجهات.. (انصر دينك يا كوثر)!.
* هذا الحكم الواضح والقاطع لا يضع حداً لزواج المسيار فقط، ولكنه يجهض أحلام البعض في ان يكونوا دون سواهم من خلق الله (المرجعية الدينية) لجمهورية السودان، التي ظلت منذ استقلالها ذات (مرجعية واحدة) هي الدستور والقوانين المنبثقة منه، ولم ترهن قرارها يوماً لأحد او جهة، او جماعة تدعي انها صاحبة (الحل والعقد) والرأي والقرار في حياة الناس، وما يصلح لهم وما لا يصلح من أساليب حياة، ومبادئ وقواعد يهتدون بها!.
* القانون وحده، حتى ولو استهان به البعض، أو لم يجد طريقه الى التطبيق لسبب او لآخر، او أساء البعض فهمه واستخدامه احياناً، ظل هو المرجعية الوحيدة للناس في السودان، ولم يرهن أهل السودان يوماً حياتهم لأحد، مهما كان صاحب حظوة وفضل وعلم واسع وتفقه في امور الدين والدنيا، ولهذا ظل السودان برغم ما يكتنفه من صعوبات ومشاكل وأزمات، مبرأً من كل العيوب والمشاكل التي تنجم من (الطبقية) الدينية التي تضع البعض في مصاف الأنبياء والرسل وتحيطهم بهالات من القدسية، وتهبط بالبعض الى مرتبة الاتباع وتلغى عقولهم، وتحولهم الى تروس تدور بأمر سادتها، وتتوقف تبعاً لقراراتهم وفتاويهم، مثلما يحدث في العديد من المجتمعات الاسلامية التي تحيط بنا، او التي تبعد عنا!!
* لسنا دولة مرجعيات، وإنما دولة قوانين، والقوانين وحدها هي التي تحكم وتنظم حياتنا، وليست الفتاوى والقرارات التي تصدرها الجماعات والمجالس والهيئات الفقهية، مهما كان احترامنا لها، وللنفر الكرام والعلماء الأجلاء الذين يتمتعون بعضويتها.. هذا ما حكمت به، وأكدته، بدون لبس او غموض، محكمة الخرطوم للأحوال الشخصية عندما قالت بوضوح شديد ان مرجعيتها.. الشريعة الاسلامية وقانون الأحوال الشخصية، وليس الفتاوي والاجتهادات الشخصية!!.
* وهي بهذا قد وضعت حداً لبعض الجهات التي ظلت تحاول سحب البساط من القوانين، والاستعاضة عنها بآرائها واجتهاداتها وفتاويها كلما سنحت لها الفرصة، والأمثلة كثيرة، على رأسها (ختان الاناث) الذي ظل الموضوع الأثير والمحبب لها، وهو في حقيقة الأمر ليس هدفاً في حد ذاته وانما لاثبات الذات، وعندما نجحت في هذا الموضوع – (حتى الآن) – ارادت ان تنتقل الى موضوع آخر، لتفرض سيطرتها وشرعيتها، ثم تنطلق الى الأمام لتتحكم في حياة الناس اذا تحقق لها النجاح المطلوب، فكان ما كان من أمر (زواج المسيار) الذي كان الهدف منه هو اختبار مدى تقبل الناس وانصياعهم لاجتهاداتها وقراراتها، قبل الانطلاق الى موضوعات اخرى، ولكن الهجوم الشرس والرفض الواضح من كافة قطاعات المجتمع لهذا (الزواج) الغريب.. ثم حكم المحكمة القاطع، والحيثيات الواضحة التي بررت بها هذا الحكم، اثبت ان السودان دولة قوانين، وستظل كذلك، وان باب الاجتهاد مفتوح، وليس حكراً على احد او جهة، ولكن الذي يسري في آخر الأمر هو القانون وليس الفتوى!.
* نحن شعب عميق التدين، منهجنا كتاب الله وسنة رسوله وما أجمع عليه العلماء والقياس، ولكن لا مجال بيننا لمن يريد ان ينصِّب نفسه ولياً.. أو (آية من آيات الله) علينا، ونحن مجرد أذيال، يأمرنا فنطيع!!.