عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

* دعانى أحد الأصدقاء للإنضمام الى قروب (معا _ نتذكر_ الجامعة_) الذى يضم خريجى جامعة الخرطوم التى تخرجتُ منها بكلية الطب البيطرى، وحصلت منها على درجتى البكالريوس والماجستير، وبدأت فيها الدراسة لنيل درجة الدكتوراة فى الأحياء الجزيئية، بمعهد الأمراض المتوطنة تحت إشراف الأستاذين الجليلين بروفيسور أحمد محمد الحسن، أستاذ علم الأمراض بكلية الطب، والوزير السابق للبحث العلمى فى أوائل السبعينيات من القرن الماضى، وأكثر العلماء السودانيين عطاءا وشهرة فى مجال البحث العلمى، وبروفيسور منتصر الطيب الذى يعود إليه الفضل فى محبتى لعلم الأحياء الجزيئية وهو أحد أشهر السودانيين وأقدرهم فى هذا المجال، (وكان موضوع البحث هو مرض الليشمانيا بنوعيها الجلدى والإحشائى)، ولقد حصلت على الدرجة العلمية من جامعة نوبل العالمية (الفرع الكندى) التى إعتمدت الأبحاث الحقلية التى أجريتها بجامعة الخرطوم تحت إشراف البروفيسور منتصر, ومنحتنى الدرجة العلمية بعد خضوعى لكورسات وإمتحانات مكثفة فى الجانبين العملى والنظرى تحت إشراف عالم الأحياء المعروف البروفيسور (روجر هانسل)، ولقد كان لى شرف الإنتماء للجامعة فيما بعد كأستاذ لعلم الطفيليات والأحياء الجزيئية!!

* أثار القروب (حديث النشأة) حماس خريجى جامعة الخرطوم، فتداعوا من كل حدب وصوب لنشر تجاربهم وذكرياتهم إبان فترة الدراسة، وهى بدون شك تجارب وذكريات جديرة بالنشر والاطلاع لما فيها من عظات وعبر ودروس مفيدة، فضلا عن إعادة لم الشمل بين الزملاء السابقين، وربط الاجيال ببعضها البعض، وما يمكن أن ينجم عن ذلك من مقترحات وآراء قد تفيد فى دعم وتصحيح مسيرة الجامعة التى تراجعت كثيرا الى الوراء، بعد أن كانت إحدى أشهر منارات العلم فى القارة الأفريقية، تحظى بالإحترام والتقدير فى كل أنحاء العالم!!

* يقودنى موضوع (القروب) إلى الحديث عن تجربة مؤلمة خضتها عندما إنتقلت للإقامة والعمل بدولة كندا قبل إحدى عشر عاما، فلقد كان مطلوبا منى للإلتحاق بالدراسة والعمل، أن أحصل على تقييم للشهادات التى حصلت عليها من جامعة الخرطوم، وهو إجراء روتينى متبع فى كل أنحاء العالم، بغض النظر عن الجامعة أو الدولة التى حصلت منها على تلك الشهادات، وجرت العادة أن يكون ذلك بشكل مباشر بين جامعتك وجهة التقييم (جامعة كانت أو مؤسسة أكاديمية) لضمان صحة الشهادات وصدورها عن جامعتك بالفعل، حيث لا يُعتد فى الكثير من الدول (خاصة دول الغرب) بالتوثيقات التى توجد على الشهادة حتى ولو تم اعتمادها من وزارة خارجية الدولة التى تسعى للدراسة والعمل بها .. وهنا كانت التجربة المؤلمة التى عشتها وعانيت منها كثيرا، وأذكرها هنا حتى تستفيد منها جامعة الخرطوم وكل الجامعات السودانية، فمصير الكثير من السودانيين فى دول المهجر يرتبط بتقييم شهاداتهم، لا بالتوثيقات الموجودة عليها!!

* حسب الإجراءات المتبعة، فلقد تقدمت عبر البريد بطلب لتقييم شهاداتى الصادرة عن جامعة الخرطوم بعد دفع الرسوم المطلوبة، للمؤسسة العالمية لخدمات التعليم (World Education Services) وتعرف إختصار باسم (WES )، وهى من أشهر مؤسسات التقييم بالولايات المتحدة وكندا، وحصلت منها على تقييم مبدئى بأن شهاداتى تعادل الشهادات الكندية، ولكنها أخبرتنى أنها فى إنتظار رد جامعة الخرطوم على صحة شهاداتى حتى تصدر التقييم النهائى وتبعثه للجامعة التى أود الإلتحاق بها، أو جهة العمل، أو تبعثه مباشرة لى، وظللت منتظرا صدور التقييم أكثر من ثلاثة أشهر كنت خلالها أواظب على الإتصال بالمؤسسة وسؤالهم عنه، فتأتينى الإجابة بأن جامعة الخرطوم لم ترد، وبعد إلحاح منى أرسلوا لى صورة البريد الإلكترونى الذى بعثوه، ومعه صور من شهاداتى، الى كلية الطب البيطرى، وكلية الدراسات العليا، وأمانة الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، وأخطرونى أنهم بعثوا برسائل عبر البريد العادى أيضا!!

* عندما تضررت من الإنتظار، إتصلت بالصديق الدكتور (وقتذاك) البروفيسور (حاليا) (إبراهيم محمد الحسن) الذى يعمل بالجامعة، ففعل المستحيل لكى تحظى المؤسسة برد من تلك الجهات، ولكنه فشل تماما فى العثور على أثر للإيميلات أو الرسائل التى بعثت الى الجامعة، ورفع الراية البيضاء، وهنا لم يكن أمامى غير السفر الى الخرطوم تحت ظروف ضاغطة جدا، لمحاولة فعل شئ، و عانيت ما عانيت مستعينا بمجهودات الكثيرين للعثور على الايميلات التى كنت احمل صورا منها، وقد أرسلتها لإبراهيم أيضا، ولكننى فشلت، ولقد اتضح لاحقا ان كلمة السر لمعظم عناوين الايميلات التى تضعها الجامعة على موقعها لا يتذكرها احد ولا يسأل عنها احد ولا يمكن استعادتها.


* لم يعد امامى سوى البريد العادى الذى واجهت فيه نفس ما واجهته فى البريد الالكترونى, ووصل بى الحال الى الذهاب الى هيئة البريد بالخرطوم التى وجدتها فى حالة يرثى لها، حيث تتراكم جبال الرسائل والطرود فى كل مكان، وتكفل أحد العاملين بعد مناشدتى بالبحث فى الرسائل الخاصة بجامعة الخرطوم، وبعد جهد مضنٍ إستغرق أكثر من أسبوع وجد الرسالة قابعة فى أحد الأماكن، وقام مشكورا، وكنت برفقته، بتوصيلها لأمانة الشؤون العلمية، التى كتبت خطابا ضمنته صورا من شهاداتى، ووضعته فى ظرف مختوم بالشمع الأحمر وعليه من الخارج أختام الجامعة وتوقيعات المسؤولين، وأعطتنى له لأرسله بالبريد متحملا الرسوم البريدية، وهو إجراء لو علمتْ به مؤسسة التقييم لرفضت إجراء التقييم لأن المطلوب هو أن ترسل جامعتى إليها مباشرة بدون تدخل منى !!

* القصة لم تنتهِ بعد ... فشهادات الماجستير والدكتوراة (بالبحث - by research) التى تصدر عن الجامعة لم تكن ــ وأعتقد أنها لا تزال ــ تصدر بدون أى تفاصيل، غير إسم صاحب الشهادة وصورته، والدرجة التى حصل عليها، كما أن الجامعة لا تصدر شهادة تفاصيل لها، كما فى شهادة البكالريوس، وهو ما يجعل تقييم شهادة الماجستير والدكتوراة أمرا مستحيلا بالنسبة لمؤسسة التقييم، فهى تريد معرفة تفاصيل دقيقة، مثل ساعات الدراسة والمواد التى دُرست، والإمتحانات التى خضع لها صاحب الشهادة، وتفاصيل إضافية عن أطروحة البحث ..إلخ، وهنا لم يكن أمامى غير الإستعانة ببعض اصدقائى وأساتذتى بالجامعة من بينهم (البروفيسور حاليا) والدكتور (آنذاك) الجيلانى على الأمين (وكيل كلية الطب البيطرى (آنذاك) الذى رافقنى الى كلية الدراسات العليا وقام مع بروفيسور (يوسف القرشى الماحى) نائب عميد كلية الدراسات العليا (آنذاك) بكتابة شهادة تفاصيل (خاصة لى) تتضمن معلومات عن درجة الماجستير التى حصلت عليها، قمت بوضعها مع خطاب أمانة الشؤون العلمية !!

* مشكلة ثالثة واجهتنى هى المواد التى درستها فى السنة الاولى بكلية العلوم (الأحياء، الفيزياء، الرياضيات، الكيمياء، والإنجليزى العلمى) التى لا تتضمنها شهادة البكالريوس الصادرة من كلية الطب البيطرى، ولكى أحصل على مستند بها من كلية العلوم كانت حكاية، حيث صار الارشيف الخاص بكل الطلاب الذين درسوا السنة الاولى بكلية العلوم منذ تأسيس الجامعة، وحتى قبل تطبيق النظام الحالى الذى يُلحق الطلاب بكلياتهم مباشرة فى ذمة الله، ولولا مساعدة حاتم الرفاعى، مسجل كلية العلوم (وقتذاك) ونفر كريم من العاملين بالكلية، لما حصلت على أى مستند ولضاعت منى سنة دراسية كاملة، كانت ستتسبب فى تقييم مجحف لشهادة البكالريوس التى حصلت عليها من جامعة الخرطوم، وهى مشكلة واجهت، وستواجه تقييم شهادة كل من درس مثلى بكلية العلوم قبل الإنتقال لكليته!!

* تلك كانت تجربتى المؤلمة مع تقييم شهاداتى الصادرة من جامعة الخرطوم، أرجو أن يكون فيها العبرة للجامعة والجامعات السودانية الأخرى، وخريجيها، يقتدون بها تفاديا للمشقة والعنت والعذاب وضياع الوقت الذى عانيت منه اشد المعاناة ... ومعا _ نتذكر _ الجامعة _ ، ونعمل على تصحيح مسارها وتطورها!!