عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

* ولجتُ عالم الفيس بوك منذ حوالى 12 عاما، كان وقتها عدد المشتركين السودانيين صغيرا، ولكن مساهماتهم وتعليقاتهم كانت رائعة ومتميزة، وظل العدد يتكاثر وبلغ مئات الآلاف بعد انتشار هواتف المحمول واتساع خدمة الإنترنت، ولكن للأسف الشديد فلقد صارت معظم المساهمات والتعليقات ضحلة، وغالبيتها على موضوعات وبوستات ضحلة .. تجد مئات التعليقات على قصة هايفة أو صورة خليعة، بينما لا تُحظَ الموضوعات الجيدة التى تطرح قضايا مهمة على رأسها الوضع المأساوى فى البلاد إلا تعليقات قليلة لا تزيد عن أصابع اليد، وهو ما يدعونى للتساؤل (هل نحن شعب هايف؟) .. أو بالأحرى (هل صرنا شعبا ضحلا وسطحيا وهايفا، تجذبه السفاسف والهيافات مثلما تجذب الأوساخ الذباب)؟!

* لقد ظللنا على مر الحقب والعهود نتكبر على المصريين، واليمنيين، والسعوديين والأفارقة ونسخر منهم ونعتبر أنفسنا أفضل منهم، ونعايرهم بالخضوع للظلم والظالمين، إلا أنهم أثبتوا أنهم أفضل وأشجع وأكثر جدية منا بكثير، وليس هنالك فى الأصل مقارنة بيننا وبينهم، لا على مستوى التقدم، ولا على مستوى الوطنية، ولا على مستوى الرفاهية، ولا على مستوى الجدية على كل الاصعدة .. لا يفكر الشخص منا مجرد تفكير فى ردم بِركة الماء التى تقبع على باب بيته وإتقاء شرها، وعندما تصيبه الملاريا وتشبعه ضربا ولكما ووجعا، يصرخ لاعناً البعوض والملاريا والبلد المليانة برك وقاذروات، غير مدرك أن المصيبة الأولى التى يجب أن يلعنها هى نفسه وعبثيته، وليس البلد أو البعوض!!

* لا اريد أن اغوص فى تفاصيل المفاضلة بيننا وبين تلك الشعوب، وسآخذ مثالا واحدا فقط هو استخدام وسائط التواصل الاجتماعى .. ويكفى القول هنا أن المصريين (رغم الضحالة التى نصفهم بها) إستطاعوا بالاستخدام الجيد للفيس بوك والتويتر والواتساب ..إلخ، تنظيم أنفسهم بشكل جيد والخروج للشارع ضد حكم (مبارك)، وأزالوه من الوجود بإصرارهم وشجاعتهم، رغم القتل والأساليب القمعية التى إستخدمها النظام ضدهم .. !!

* المظاهرات التى اسقطت (مبارك) لم تكن عفوية أو عشوائية، كما يظن كثيرون بسبب ضحالتهم واهتمامهم باستعراض صورهم والدخول الى الفيس بوك للهيافة ونشر البوستات الهايفة والتعليق على البوستات الهايفة، لا لم تكن كذلك، بل سبقها تحضير جاد وطويل على وسائط التواصل الاجتماعى، بدأ بعدد بسيط من الشباب الجادين بالتعليق على أحداث بلادهم، وانتقادهم للعنف والقتل الذى تمارسه الشرطة وأجهزة النظام، مثل جريمة مقتل الشاب (خالد محمد سعيد) على ايدى رجال الشرطة، التى أثارت غضب الشباب المصرى، وأشعلت الثورة!!

* أوحت الجريمة البشعة لشاب صغير فى السن هو (نبيل غنيم) بإنشاء صفحة على الفيس بوك فى عام 2010 تحت عنوان (كلنا خالد سعيد) ينتقد واقعة تعذيب (خالد) وقتله، ويطالب بالاقتصاص من المجرمين، وما لبث الشباب المصرى الجاد أن انتظم بالملايين، وليس بالآلاف، فى انتقاد النظام عبر هذه الصفحة وغيرها من الصفحات والمواقع المتاحة عل الفيس بوك وبقية الوسائط، والدعوة الى ترجمة هذه الإحتجاجات الإسفيرية الى واقع ملموس على الشارع بالتظاهر السلمى ضد العنف والظلم ..إلخ، وكان ما كان من أمر الثورة المصرية المبهرة التى يعرفها الجميع !!

* من فرط الاعجاب الذى وجدته هذه الثورة وقبلها الثورة التونسية (ثورة الياسمين)، نشرت مجلة (فورين بوليسى) كبرى المجلات السياسية فى العالم، مقالا تحليليا فى عام 2014 بقلم الكاتبين الكبيرين (شيلون هيملفارب، وسين آدي) تحت عنوان "وسائل الإعلام التى تحرك الملايين" أخذ فيه المحللان الأمريكيان نموذج صفحة "كلنا خالد سعيد"، ودورها في إسقاط نظام مبارك، للتأكيد على قدرة وسائل التواصل الاجتماعي فى تعزيز الحراك السياسي وإشعال الثورات .. ذلك هو الشباب المصرى والشعب المصرى الذى نسخر منه كل يوم (ده الفالحين فيهو)، فماذا فعلنا نحن، وماذا نفعل غير الهيافات واستعراض الصور والتحرش ؟!

* دعكم من الشعب المصرى صاحب أقدم حضارة فى العالم، وانظروا الى الشعب السعودى الذى يعيش فى بحبوحة من العيش لا يعتقد معها أحد أنه يمكن ان يحتج ويطالب بحقوقه، مثل حق المرأة فى قيادة السيارة الذى تحقق أخيرا، وإلغاء (المحرم) الذى ظلت الكثيرات من الشابات السعوديات يجهرن به على وسائل التواصل الاجتماعى، وكان مصيرهن الاعتقال والسجن ولكنهن وغيرهن لم يسكتن ولم يرضخن!!

* كما ينتظم الكثير من الشباب السعودى فى حملات احتجاج لا تنقطع، عن الأوضاع الحقوقية السيئة بالمملكة، كان مصير عدد منهم السجن، وفضل الكثيرون الغربة القاسية وحياة الكفاف على الرفاهية التى يعيشون فيها والمرتبات العالية التى تدفعها لهم الحكومة السعودية .. ولا بد أن يأتى يوم يرعوى فيه النظام الملكى السعودى ويخضع لمطالب شعبه، ما دام هنالك شباب جرئ وشجاع وجاد لا يرضى بالظلم .. فماذا فعلنا نحن غير نشر القاذروات والإلتفاف حولها كالذباب؟!

* لك الله يا وطن، تلقاها من وين ولا من وين .. من حكم ظالم فاسد، أم من شباب معظمه غائب أو مغيب بمزاجه، يعتقد أن الفيس بوك والواتساب مجرد أدوات للتسلية والهيافة .. وصدق (ابو العتاهية) إذ قال: إن الشباب والفراغ والجِدة ** مفسدة للمرء أى مفسدة، والجِدة هى جريان المال فى اليد !!
///////////////