عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

* المراقب للمشهد السياسى فى السودان يلحظ حالة الرعب الشديدة التى تنتاب النظام الحاكم فى البلاد، وتتجلى فى ابسط الاشياء، بدءا من منع بائعات الشاى والمشروبات الساخنة من ممارسة عملهن على الطرقات والشوارع الرئيسية وشاطئ النيل بقصد منع التجمعات فى المناطق الحيوية، مرورا بإزالة أكشاك الصحف من الشوارع المطلة على الأحياء السكنية للتعتيم على الرأى العام، وإرغام المشتركين فى خدمة الهاتف الجوال على إضافة الرقم الوطنى لحساباتهم الهاتفية لتيسيير مراقبة الهواتف، وعدم اعلان الحكومة عن الزيادات فى أسعار السلع الضرورية من خلال الميزانية العامة خوفا من إشتعال شرارة الغضب الشعبى، وليس إنتهاءا بفرض حالة الطوارئ فى بعض اقاليم البلاد وجمع السلاح بغرض تركيزه فى يد جماعات معينة، وزيادة أعداد قوات الدعم السريع فى المدن الكبرى خاصة فى العاصمة، وكلها إجراءات أمنية تسعى لحماية النظام الفاشى وتضييق الخناق على الناس، وقمع أى تحرك جماهيرى للتعبير عن حالة الغضب الشديد التى تسود المجتمع بسبب الحالة الاقتصادية المتردية والفساد الشديد، وإستئثار فئة قليلة جدا بالسلطة والثروة، والظلم الجائر الذى تعانى منه الأغلبية المقهورة!!

* ولم تقتصر حالة الرعب على هذه الجوانب فقط، بل تجلت بوضوح فى التخبط الشديد فى السياسة الخارجية والتقلب بين الدول والاحلاف، من امريكا الى روسيا، ومن ايران الى السعودية، ومن حلف السعودية والامارات الى حلف تركيا وقطر، وهكذا دواليك فى أشهر قليلة، كما ظهر الرعب فى أبهى صوره فى الطلب لذى تقدم به البشير خلال زيارته الى روسيا الى الرئيس الروسى بوتين امام أجهزة الاعلام لحماية السودان من امريكا، وهو فى حقيقته طلب لحماية النظام، وليس السودان، الأمر الذى حدا بالمحللين السياسيين الى ربط هذا الطلب بزيارة قام بها نائب وزير الخارجية الأمريكى (جون سوليفان) الى السودان فى منتصف شهر نوفمبر الماضى، وتسرب معلومات بأنه صارح المسؤولين السودانيين بأن أمريكا لا ترغب فى استمرار الرئيس البشير فى الحكم عند انتهاء دورته الحالية فى عام (2020)، مما أخرج البشير عن طوره وحدث ما حدث فى روسيا!!

* كل تلك وغيرها مؤشرات على الحالة المزرية التى يعيشها النظام، وحالة الرعب التى تنتابه، خاصة مع العزلة الكبيرة التى يعانى منها فى الداخل والخارج، والعقوبات المفروضة عليه والتهم التى يواجهها!!

* إذا تركنا كل ذلك وتناولنا جانبا واحدا فقط يرتبط ارتباطا مباشرا بالحالة المعيشية للجمهور، وهى الميزانية العامة، نجد أن الحكومة لم تعد قادرة، بل عاجزة ومرعوبة من الاعلان عن زيادة الأسعار من خلال هذه الميزانية التى كانت تودع على منضدة المجلس الوطنى فى العادة فى أوائل شهر نوفمبر من كل عام لتناقش على عدة مراحل داخل اللجان المختصة، ثم تعرض على المجلس فى ثلاث قراءات قبل أن تجاز وتصدر بقانون ملزم لكل قطاعات الدولة متضمنا لاسعار السلع والخدمات!!

* غير أن ما حدث هذه المرة يختلف تماما عن كل الميزانيات السابقة فى تاريخ السودان الحديث، حيث تأخر تقديم الميزانية الى الاسبوع الأخير من شهر ديسمبر، ولم تحتوى على الضرائب الاضافية وزيادة الاسعار، ما يعد مخالفة للدستور والقانون والعرف، بل خرج علينا رئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس (وهو وزير المالية السابق على محمود الشهير بعلى كِسرة) بأن "الزيادات ليس بالضرورى أن تصدر بقانون من خلال الميزانية، وإنما بقرارات إدارية"، وحتى هذه القرارات الإدارية ليس لها وجود، وإنما تُركت الزيادات ليفاجأ بها الجمهور فى الأسواق ومراكز الخدمات، وقد تصل الى أكثر من (300%) مع القرار الحكومى برفع قيمة الدولار الجمركى (من 7 جنيهات الى 18 جنيه)، ورغم ذلك يكذب كبار المسؤولين بتكرار الحديث انه لا أعباء مالية اضافية على المواطنين، وهو من أعراض الخوف!!

* يدل كل ذلك على الرعب الشديد الذى يعترى النظام، والأزمة الخانقة التى يعيشها، وانسداد كل الطرق أمامه ما جعله يتصرف كالمجنون لا يدرك ما يفعله ولا مغبة ما يفعله، وقد يقضى على نفسه قبل أن يقبض عليه أحد ويسلمه لمستشفى المجانين ... وإن غدا لناظره قريب !!