لاعبو القمار أمامهم احتمالان لا ثالث لهما: المكسب أو الخسارة. بالسياسات التي أعلنها البنك يوم الخميس الماضي عقب لقاءات مطولة مع اتحاد الصرافات ومديري البنوك يمثل نوعاً من المقامرة الاقتصادية. المغامرة شيء، واللعب بالفلوس شيء آخر، مقامرة.
في ذلك الاجتماع أعلن بدر الدين محمود نائب محافظ بنك السودان عن استعداده لتوفير التمويل اللازم لشركات القطاع الخاص لاستيراد احتياجاتها من كافة السلع على أساس سعر الدولار من البنوك 4.9 وكذلك توفير طلبات الصرافات لتغطية أغراض السفر والعلاج والدراسة بسعر الدولار 5.2 كسعر ابتدائي قابل للارتفاع والانخفاض، وبعد ذلك ترك لها حرية التعامل مع السوق بيعاً وشراءً. هذا ملخص للسياسة الجديدة التي أعلنها بنك السودان وقبل أن نرى أبعاد المقامرة نطرح عدة تساؤلات.
الأول يتعلق بمصدر الدولارات التي تدفقت فجأة على خزينة البنك المركزي بحجم مكّنه من تغطية احتياجات السوق من الدولار وبهذه الكميات المهولة؟. كثر الحديث قبل فترة عن القرض القطري البالغ قدرة اثنين مليار دولار والذي استملت الحكومة منه 400 مليون دولار. هناك معلومات أخرى تشير لوديعة ليبية بمبلغ 500 مليون دولار. ومعلومات أخرى تؤكد أن الرقم أكثر من مليار دولار. وقد تعززت هذه المعلومات عقب سفر السيد مدير البنك المركزي لطرابلس الأسبوع الماضي. بالثقة التي تحدث بها بدر الدين في اجتماعه مع اتحاد الصرافات أرجّح أن يكون مبلغ الوديعة ليس أقل مليار دولار، أو إنهم استلموا ما تبقى من القرض القطري. بنك السودان منذ اليوم وصاعداً بحاجة لعشرة ملايين دولار يومياً لتغطية فاتورة استيراد القطاع الخاص وتلبية طلبات الصرافات. بنك السودان قبل إعلانه لهذه السياسات يضخ ما مقداره اثنين مليون دولار يومياً للصرافات فكم سيضخ الآن؟.
الثاني يتعلق بمدى ارتباط هذه السياسات المتعلقة بالدولار، بالسياسات الاقتصادية الكلية للدولة وتحديداً مدى ارتباطها بالموازنة العامة التي يجري الحوار حول تعديلها. كيف ستتلاءم هذه السياسة عما هو معلن من سعر صرف في الموازنة العامة مثلاً؟ إذا كانت هذه سياسة منعزلة فلن تخدم السياسات الكلية للاقتصاد وقد تتسبب في أضرار بالغة للاقتصاد. هل هذه السياسة منسقة بين كل الجهات ذات العلاقة بالاقتصاد؟ هل هي محسوبة الآثار على التضخم ومستوى الأسعار؟. تحتاج هذه الأسئلة لإجابات مُلحّة من السادة المسئولين في بنك السودان حتى نستطيع تحليل هذه الخطوة في إطار نظرة كلية لمعرفة مردوها على الاقتصاد ككل.
كيف تبدو ملامح المقامرة؟ هناك احتمال أن يكسب بنك السودان الرهان، ويستطيع أن يعود بسعر الدولار لأقل من أربعة جنيهات وربما دون ذلك. فضخ ملايين الدولارات في شرايين السوق من شأنه إضعاف السوق الموازي بنسبة كبيرة. الآن بمجرد إعلان السياسة الجديدة سارع الذين احتفظوا بالدولار كمخزن قيمة أو الذين اشتروا كميات كبيرة منه بغرض الاستيراد، لعرض ما عندهم في السوق مما ساهم بالأمس في انخفاض سريع لسعر الدولار إلى خمسة جنيهات. إذا استمر بنك السودان في ضخ الملايين للصرافات وغطى الاحتياجات الفعلية للصرافات بجانب نجاح الصرافات في اجتذاب أموال مقدرة من السوق ومن المغتربين إلى جانب توقف أساليب التلاعب في استخراج الدولار من الصرافات بدعاوى السفر والعلاج وإعادة ضخها مرة أخرى في السوق الأسود، فهناك احتمال أن ينخفض السعر لكثرة العرض وقد يواصل انخفاضه لسعر أقل مما أعلنه بنك السودان. في هذه الحالة أيضاً قد لايحتاج بنك السودان لضخ كميات كبيرة لأن ما كان يجري من تلاعب من تجار السوق الأسود بوثائق السفر والعلاج لا يشي بالاحتياجات الحقيقية للجهات التي تتعامل مع الصرافات. تعتمد هذه الفرضية؛ فرضية الانخفاض أساساً على مقدرة بنك السودان للوفاء بتعهداته تجاه القطاع الخاص والصرافات ولفترة معقولة لا تقل عن ثلاثة أشهر لتسمح برؤية جديدة للأوضاع. وأيضاً يعتمد على مدى التناسق الكلي للسياسات الاقتصادية.
أسباب أخرى ستؤدي لإنجاح أو فشل هذه السياسة وهي الطريقة التي ستتعامل بها البنوك والصرافات مع السياسة الجديدة، إذ تحتاج هذه السياسة لسلوك شفاف ومراقبة دقيقة لمسار الدولارات المتدفقة من خزائن البنك المركزي للبنوك والصرافات؛ فسبل التحايل والفساد بالاستفادة من الثغرات التي تظهر بعد تطبيق أي سياسية جديدة دائما متوفرة.
أما الاحتمال الثاني في هذه المقامرة لو تحقق فإن كارثة كبرى ستحل بالاقتصاد السوداني.. وكل ما أتمناه أن يكون الأخوة في بنك السودان قد وضعوا كل المحاذر والمخاطر في حساباتهم وفق رؤية كلية متناغمة مع السياسات الكلية للاقتصاد والموازنة العامة.
غداً نقرأ الاحتمال الثاني. وربنا يستر ويكضّب الشينة.

عادل الباز