طالب الأستاذ حسن البطري بإعطاء محبي مصر الذين نهلوا من علمها وعاشوا في حاراتها وأكلوا فولها وفلافلها وعدسها واستمتعوا (بلهط) الكشري وأدمنوا التسكع في لياليها، حق التصويت في الانتخابات الرئاسية القادمة. حسن البطري مدير تحرير الصحافة عاشق قديم لمصر بل هو أكثر حباً وعشقاً من أبنائها القدامى من لدن عثمان ميرغني وكمال حنفي وراشد عبد الرحيم. ولكن مطالب البطري ذهبت أدراج الرياح، ليس ذلك فحسب بل والسودان نفسه وأفريقيا كلها غابت عن برامج مرشحي الرئاسة. السؤال لماذا؟. هل السودان غير مهم لدى مرشحي الرئاسة لهذه الدرجة، أم أن التعميم أضرّ بالبرامج التي لم تصمم على أسس تفصيلية.؟!
جاءت البرامج كلها بصورة معممة في ما يخص السياسة الخارجية إلا في العلاقة من ثلاث دول تحديداً وهي أمريكا وإسرائيل وإيران. ماعدا تلك الدول فإن البرامج كلها اتفقت على أن علاقات مصر الخارجية يجب أن ترتكز على حسن الجوار والتعامل بندية والسيادة والاستقلال ومخاطبة الدول الصديقة والشقيقة بلغة أخوية. وكثير من تلك الشعارات التي لا تقدم ولا توخر. يمكننا أن نفهم لماذا جرى الاهتمام والتركير على إعلان سياسة تفصيلية لكل من أمريكا وإسرائيل أو إيران. فالأولى لمصر علاقات مميزة معها منذ أيام السادات وحكاية 99% وإلى الآن، ثم أن أكثر من ثلاثة مليارات من الدولارات تقدم كإعانات لمصر سنوياً بناءً على اتفاقية كامب ديفيد. يرفض قطاع واسع من المصريين الطريقة المذلة التي تتعامل بها واشنطون مع القاهرة على أيام حسني مبارك بحيث تعتبرها تابعاً للسياسة الامريكية وأداة من أدواتها بالمنطقة. الاهتمام بتخصص أجزاء من البرامج الانتخابية لتوضيح رؤية المرشحين للعلاقة مع إسرائيل يخدم غرضا مزدوجاً: الأول أنه يعطي رسالة للخارج وتحديداً لإسرائيل وحلفائها حول الطريقة التي يفكر بها المرشح والسياسة التي سيتبعها ولذلك تأثير جدّي على مجمل حقائق الأوضاع السياسية في المنطقة؛ فمثلاً المرشح حمدين صباحي الناصري يؤكد أحقية الشعب المصري على مراجعة اتفاقية كامب ديفيد وهو ما يسبب قلقاً بالغاً لدوائر كثيرة، في حين أن عمرو موسى لا يشير من بعيد أو قريب لأي مساس بالاتفاقية. وفي الوقت الذي يعتبر فيه أبو الفتوح أن إسرائيل هي العدو الرئيس لمصر. من أكثر تمظهرات التوترات المنتظرة في العلاقة بين مصر وإسرائيل هو ما جرى مؤخراً في أعقاب إلغاء اتفاقية الغاز وإيقاف تصديره لتل أبيب.
يمكننا أيضاً أن نفهم دخول إيران في البرامج الانتخابية للمرشحين في بُعدين: الأول باعتبار التفاعلات الجارية في المنطقة والتهديدات الإسرائيلية والأمريكية لإيران. ثم محاولة المرشحين إرسال رسائل لدول الخليج التي تتوتر علاقتها مع إيران على خلفية قضية الجزر، وأخيراً دخلت البحرين على خط الصراع بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي.
ما لايمكن فهمه غياب السودان ومن ورائه أفريقيا كلها عن برامج مرشحي الرئاسة الشيء الذي يوضح بجلاء استمرار الغيبوبة السياسية التي لا تزال تعاني منها مصر في علاقتها مع القارة الأفريقية. هذه الغيبوبة أتاحت لإسرائيل أن تمتلك زمام المبادرة حين استطاعت بناء علاقات متميزة مع أغلب دولة حوض النيل حيث أهم مصلحة حيوية لمصر وهي المياه. بدا الملعب خالياً تماماً لتفعل إسرائيل في ظهر مصر ما تفعل من تحريض لدول الحوض ضد مصالحها.. فكيف لا ينتبه أحد مرشحي الرئاسة لأهمية التركيز على العلاقات المصرية- الأفريقية؟!.
الذين تابعوا فعاليات الملتقى الأفريقي الذي انعقد بأنقرة الأسبوعين الماضيين ومن خلال كتابات الأستاذ النور أحمد النور في صحيفة الصحافة، وكتابات الأستاذ فهمي هويدي في جريدة الشروق المصرية لاحظوا أن تركيا الآن تبرز كأحد اللاعبين الرئيسيين في القارة الأفريقية ليس على الساحة الاقتصادية فحسب، بل على الساحة الإعلامية بإطلاق قناة ناطقة باللغة العربية والإنجليزية. في حين تغيب مصر سياسياً وإعلامياً وغريب أن يكون ليس لمصر قناة واحدة تهتم بالشأن الأفريقي وما أكثر القنوات المصرية على النايل سات!!.
أتمنى على الأخ عمار شيلا الصحفي النابه والمختص في الشئون المصرية أن يقدم تحليلاً عن أفق العلاقات المصرية السودانية والأفريقية من خلال برامج المرشحين وفي ظل التحولات التي تشهدها مصر الآن.

عادل الباز