15/5/2012م
أمس الأول بشّرنا السيد وزير المالية بأن الدولار سيشهد انخفاضاً هائلاً وقال إن الدولار يمكن أن يصل إلى ثلاثة جنيهات!!. وبحسب الوزير بناء على ما أوردته الغراء (المجهر) أن جهة ما أو دولة ما ضخّت في شرايين الاقتصاد مبلغاً مالياً ضخماً وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى انهيار سعر الدولار في السوق الأسود. أمس الأول أكد البنك المركزي تصريحات السيد الوزير وأشار لقدرته على توفير النقد الأجنبي للقطاع الخاص بما يكفي وارداته. ماذا لوصحت هذه التصريحات التي يبدو أن هناك ما يؤكدها خاصة بعدما راجت معلومات حول مبلغ مالي ضخم أودعته الحكومة الليبية في خزنة الدولة، لو صحت المعلومة فإن أهدافاً كثيرة ستتحقق عاجلاً وأخرى آجلاً.
على المدى القصير ستنخفض أسعار الدولار في السوق الأسود وقد يصل لحدود ثلاثة جنيهات ونصف أو أربعة وهو انخفاض كبير سيكون وبالاً على المضاربين في الدولار والذين اتخذوا منه سلعه لتخزين القيمة. ولكن الأثر الآخر غير المباشر هو استقرار أسعار كثير من السلع وربما أدى خروجها من المخازن وطرحها في الأسواق لانخفاض مقدر في أسعارها خاصة إذا ما ضمن المستوردون استقرار سعر الدولار واستطاعت البنوك الإيفاء بالتزاماتها تجاه البنوك الخارجية؛ والتي ظلت تشكو في الفترة الماضية من تعثر البنوك السودانية من الوفاء بالتزاماتها. إذا صدقت وعود الحكومة الخاصة بتمويل القطاع الخاص يعني ألا أحد سيسعى لشراء الدولار من السوق الأسود الذي مهما وصل سعره لن يكون في إغراء السعر الرسمي ولو ارتفع قليلاً. ما يجب الإشارة إليه هنا هو أن الحكومة قد استطاعت من خلال عائدات الذهب وبعض القروض الأخرى منها القطري (اثنين مليار دولار المستلم منه 400 مليون دولار) أن توفر تمويلاً منتظماً لاستيراد السلع الأساسية والتي حصرتها في ثماني سلع أهمها السكر والقمح والأدوية والجازولين.. ولذا فإن احتياطياتها من هذه السلع يجعل وضعها جيداً ولن تنافس القطاع الخاص في أخذ نصيب كبير من الدولارات التي ضُخت في خزينة البنك المركزي.
مع استقرار سعر الصرف لفترة معقولة بالإمكان تدفق مزيد من الدولارات في خزينة الدولة؛ فالمستثمرون الذين أحجموا عن البدء عن مشاريعهم في انتظار استقرار الأوضاع بإمكانهم ضخها إذا اطمأنوا إلى ذلك. المستثمرون ليسوا بمجانين ليدلقوا مليارات الدولارات في بلد تحفها الحروب من كل حدب وصوب.. ومن يشاهد التلفزيون يظن أن البلد كلها مشتعلة من أقصاها لأقصاها، ثم على أي أساس يمكن للاستثمارات أن تنجذب لبلد عملته غير مستقرة؟!. ليس ذلك فحسب بل إن المستثمرين يشكون بأنهم لا يستطيعون تحويل أرباح استثماراتهم للخارج فمن هو ذلك المستثمر المجنون الذي يستثمر في بلد لا يستطيع أن يحول منها مليماً من عائداته؟!. الغريب أن هناك شكوى من شركات الاتصال التي تحول ملايين الدولارات إلى الخارج رغم أن هذا ليس صحيحاً مطلقاً بشهادة بنك السودان، ولكن السؤال أليس من حق المستثمرين الكويتيين مثلاً الذين دفعوا مليارات الدولارات في (زين) أن يأخذوا عوائد أموالهم تلك؟. حاجة عجيبة.
من أكثر القطاعات التي ستستفيد من استقرار سعر الصرف هو القطاع العقاري. فبعد ارتفاع سعر الدولار شهد هذا القطاع تدنياً ملحوظاً في حركته بيعاً وشراءً، وتكاد تكون أسعاره تجمدت في نقطة معنية، فأسعار الأراضي ظلت كما هي منذ مدة طويلة وتوقف البناء لتأثره بارتفاع أسعار الأسمنت الذي شهد ارتفاعاً جنونياً رغم تدفق إنتاج أكثر من مصنع للأسواق. إضافة لتجميد الإنشاءات الحكومية الجديدة مما أدى لتوقف كثير من شركات هذا القطاع عن العمل وخاصة بعد أن تراكمت مديونياتها على الحكومية وأصحبت سنداتها وضماناتها بلا قيمة.
أكبر الخاسرين من تراجع أسعار الدولار في المدى القصير هم المضاربون والمغتربون الذين استفادوا من زيادة سعر الدولار في السوق الأسود في تحويلاهم لذويهم بالداخل. العجيب أن بعضهم رغم الارتفاع الذي شهده الدولار فضّل الاحتفاظ بمدّخراته بالخارج ريثما تتضح الرؤية أكثر في انتظار فوائد أكبر. إذا انخفض الدولار بحسب وعود الحكومة فإن ضرراً بالغاً سيصيب هؤلاء الذي فضّلوا بقاء دولاراتهم بالخارج. لو صدقت الحكومة فإن أوضاعاً شتى ستتحسن وتعود لطبيعتها.... آه لو تصدق الحكومة.
عادل الباز