قال النائب الأول الأستاذ علي عثمان في جلسة مجلس الوزراء الأحد الماضي  (إن قبول الحكومة لمبدأ  التفاوض كما هو في قرار مجلس الأمن لمعالجة الأوضاع الأمنية، وأضاف المطلوب تثبيت أننا نقاتل داخل أرض السودان وليس داخل أرض أجنبية، هناك جهات تفسر الحديث عن استعادة كاودا كأنه عمل عسكري يتم داخل حدود الجنوب الجغرافية). نقل هذه المادة الصحفي النابه مالك طه مدير تحرير الرأي العام. وأنا شديد الثقة في قراءات مالك التحليلة.
في ثنايا هذا الحديث هنالك ثلاث قضايا جوهرية يهمنا التركيز عليها. الأولى هي إشارة الأستاذ علي عثمان لقبول (مبدأ التفاوض) وهي إشارة ذكية تعني أن ما يترتب على المفاوضات المزمع إجراؤها في غضون الأسابيع القادمة هي (مفاوضات) فقط، بمعنى أن تلك المفاوضات وإن جرت تحت ظلال وسيوف مجلس الأمن فهي لن تفرض واقعا قسريا ولا تسلب حقوقا ثابتة ولن تجعل الدولة تتنازل عن مواردها أو أراضيها. فيمكن للمفاوضات أن تنهار أو تنتهي لطريق مسدود، فالمواقيت التي حددها مجلس الأمن لن تجعل الحكومة تزعن لفكرة أن تنتهي المفاوضات كيفما اتفق، فهي ليست بهذه القداسة.
يعتقد البعض أن مجرد قبول الحكومة بمبدأ التفاوض هو تخاذل و(انبطاح) وهؤلاء يفهمون السياسة في بعد وحيد هو الحرب، وغاية فهمهم لها أنها تعبئة وكواريك وهيجانات وسب ولعن، ولكن لا يمكن لحكومة مسئولة عن شعب ودولة  مهما طغى عليها الحماس الآني أن تتخذ من التهريج عنوانا لسياسة الدولة. الحكومة المسئولة تعرف أين مصالح شعبها وتعرف متى تقاتل ومتى تفاوض، بل بإمكانها أن تقاتل وتفاوض في آن واحد، وقد قال إدريس عبد القادر من قبل  (نفاوض بيد ونقاتل بأخرى) وتلك عبارة تشبه ذكاء إدريس وحسه الوطني الذي لا يمكن المزايدة عليه بالشعارات والهتاف. ألف باء السياسة أن تقاتل عدوك على طاولة المفاوضات بنفس القوة والحماس اللذان تقاتله بهما في الميدان. لجون قرنق عبارة بلغية (لساني جزء من أسلحتي) ولكن للأسف لدينا سياسيون يستخدمون ألسنتهم في (اللعلعة) والكواريك ولا يدرون أنها أسلحة تعمل في عالم اليوم بأكثر ما تفعل الأسلحة الحربية. كلمة واحدة(ارحل) زلزلت عروش الطغاة فلم تنفعهم مخازن الأسلحة التي كدسوها ليوم كريهة وسِداد ثغر!!. أرأيتم كيف ترك الطغاة الثغور محتلة ووجهوا أسلحتهم لصدور شعوبهم؟!
القضية المهمة التي نوه لها النائب في حديثه هي أن السودان ليس دولة معتدية، فهي تقاتل داخل حدودها وهي بذا و بنص القانون تدافع عن أراضيها وسيادتها ولا تغزو أحدا. فالسودان يمكن أن يحرر كاودا وكفيا كنجي وأم دافوق دون أن يكون قد خرق وقف العدائيات الذي التزم به مع دولة الجنوب، فهو في كاودا إنما يقاتل جيوشا داخل أرضية سواء أكانت الفرقة التاسعة أم العاشرة اللتان تنتميان للجنوب، أم مجموعات مسلحة تنتمى للجبهة الثورية، لا فرق.
القضية الثالثة هنا في حديث النائب هو ما سبق أن أكدت عليه الحكومة، وهو أولوية القضية الأمنية على ما عداها، وهي كلمة حق، وقد وافقت من قبل حكومة الجنوب على حسم هذا الملف أولا، ولكن هذه المرة قد تتعدد مسارت التفاوض بمعنى أنه في ذات الوقت الذي تجري فيه المفاوضات في الترتيبات الأمنية أو الحدود يمكن إنجاز تقدم في مفاوضات النفط أو أبيي أو أيا من تلك القضايا العالقة، ولذا لا أتوقع أن تكون الحكومة متشددة في قضية تعدد المسارات، ولكن بإمكانها أن تتحدث عن ضرورة إنهاء التفاوض حول كل الملفات ليتم توقيع اتفاقية شاملة تعنى بكل القضايا موضع النزاع. يساعد في ذلك أن لجان التفاوض بطبيعتها لجان متخصصة  فمثلا لجنة الأمن والحدود لجنة لها رصيد من الإنجازات المتفاوض عليها وهناك اتفاقيات مبدئية وقعت من قبل الطرفين بالخرطوم وفي الجولة الأخيرة بأديس أبابا، وهناك اقتصاديون يتفاوضون حول النفط، وآخرون يعتنون بملف أبيي، فمن الممكن أن تتنوع المسارات بأمل طي ملفات التفاوض في وقت وجيز، وليس بالضرورة (كسر رقبة) أن توافي لجان التفاوض المواعيد المضروبة كرها من قبل مجلس الأمن.

عادل الباز