لا شك في أن الذين (فتلوا) خارطة الطريق في مجلس السلم والأمن الإفريقي قصدوا مع سبق الإصرار والترصد لف حبل مشنقة غليظ حول رقبة الحكومة السودانية، ولم يكتفوا بما صنعوا بل  أسلموه لسوزان رايس ليلاً، وما أمهرها في نسج العقدة حول رقاب المغضوب عليهم.!!. لا يتطرق شك لأي مراقب حصيف بأن  (اللهوجة) والعجلة التي صيغت بها خارطة الطريق (اقرأ مقال غازي صلاح الدين) في أعقاب نصر هجليج وامتلاك الحكومة زمام المبادرة بمسارح القتال هو الذي دفع مجلس الأمن والسلم الإفريقي ليقذف بطوق النجاة لحكومة الجنوب التي كانت تواجه إدانات دولية جراء احتلال هجليج، ثم تواجه أمام شعبها أوضاعا اقتصادية حرجة بلغ فيها التضخم أكثر مائة بالمائة في كافة السلع بالجنوب.
الآن تحولت خارطة الطريق إلى قرار أممي  بالإجماع، أي أن حبل المشنقة الذي فتله مجلس الاتحاد الإفريقي أصبح أشد متانة ... فما المطلوب؟!. الذكاء السياسي مطلوب بشدة الآن، فلتدع الحكومة الكواريك واللعن وتجلس لترى كيف تتعامل مع مقتضيات القرار والطريق طويل. بالذكاء والمكر وحدهما يمكن تحويل حبل المشنقة إلى طوق نجاة والعكس صحيح.
ملاحظتي الأولية حول ردود الأفعال أنها لا تبشر بخير. فباستثناء التصريحات الرصينة لوزير الخارجية والناطق باسم الخارجية الأستاذ العبيد مروح، لا يزال الهرج والمرج والانفعالات الساذجة تطغى علي الساحة. ليت كل الذين ليست لهم علاقة بالسياسية الخارجية أن يلزموا الصمت أو أن يلزموا بيوتهم ليريحونا. لدي إحساس بأن كثيرا من المهرجين السياسيين الذين تفيض بهم ساحة الحزب الحاكم لم يقرؤوا لا خارطة الطريق ولا قرار مجلس الأمن، ولذا تأتي تصريحاتهم كقرع طبول فارغة.
الآن علينا أن نقرأ معا نصوص القرار الأممي ومضامينه كما هي، وعلينا أن ننوه في البداية أن تعديلاتٍ جوهرية قد وقعت بين خارطة الطريق الإفريقية والقرار الأممي، وأوضح هذه التعديلات هو سحب أي ذكر لمنظمة الإيقاد وحصر الوساطة الإفريقية بلجنة امبيكي. يبدو أن الدبلوماسية قد أفلحت في إقناع روسيا والصين بضرورة استبعاد الإيقاد التي لا تتمتع بثقة الحكومة السودانية من نص القرار. التعديل الثاني المهم هو صمت القرار الأممي عن المناطق المتنازع عليها، ما يعني أن التفاوض حول أربع المناطق فقط بعيدا عن هجليج.
بعد مقدمة طويلة تذكر بقرارات  وبيانات سابقة،  إضافة لأغراض القرار الحالي يخلص القرار لتأييده الكامل لخارطة الطريق الإفريقية ويعلن أن الحالة السائدة على طول الحدود بين السودان وجنوب السودان تشكل تهديدا خطيرا للسلام والأمن الدوليين، وعليه وبموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (يتخذ السودان وجنوب السودان الإجراءات التالية فورا). جاء القرار على جزأين، جزء مطلوب إنفاذه فورا  وآخر لاحقا مصحوبا بأوامر محددة، وتواريخ، سنعرض لها في الحلقة القادمة. أما ما هو مطلوب إنفاذه فورا فسبع نقاط، الأولى: تطلب وقف العدائيات في غضون 48 ساعة وهو ما أعلنت الدولتان القبول به وأبلغتا الاتحاد الإفريقي بذلك. ولكن لا يزال الطرفان يجأران بالشكوى من الانتهاكات التي يرتكبها كل طرف على الآخر، وهي الحالة المرشحة للاستمرار لبعض الوقت. فعلت الحكومة حسنا بالموافقة على وقف العدائيات بسرعة ولم يكن أمامها سوى ذلك، وخاصة أنها تقدم نفسها كضحية للعدوان.
في البند الثاني يطالب القرار الدولتين بسحب قواتهما إلى جانبيهما من الحدود. ليس للسودان قوات مسلحة في الجنوب بل لم تدع دولة الجنوب ذلك أصلاً، فكل ما تشكو منه هو القصف الجوي، ولكن في الجانب الآخر للحكومة السودانية شكوى مثبتة بأن دولة الجنوب لا زالت تحتفظ باللواءين التاسع والعاشر في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان. ومن هنا وصاعدا يمكن للسودان إثبات أن الجنوب لم يمتثل للقرار الأممي الصادر تحت هذا البند، مما يشكل ضغطاً على الجنوب والمتمردين في كلا المنطقتين. هذا حبل يمكن لفه على رقبة الجنوب.
في البند الثالث يطلب القرار الأممي وخلال فترة لا تتجاوز أسبوعاً تفعيل آليات الحدود الضرورية وإقامة منطقة حدودية منزوعة السلاح. في تقديري إن ذلك (شعر ساكت) بحسب عبارة شيخنا الترابي!!. إذ يستحيل إقامة تلك المنطقة ولا حتى تفعيل آليات الرصد في فترة أسبوع . فالذين صاغوا القرار على ذلك النحو لا يدرون ما يجري على الأرض  ولا مستوى العداء والتوتر بين البلدين الذي خلفه احتلال هجليج ثم تحريرها. أهم ما في هذا البند إشارته إلى المناطق المتنازع عليها، وهي بالضرورة تلك المناطق التي أخذ بها الاتحاد الإفريقي علما مسبقا وليس من بينها منطقة هجليج.
البند الرابع يطلب التوقف الفوري عن إيوء أو دعم  أية مجموعات متمردة ضد الدولة الأخرى. لا يحتاج الأمر لذكاء، إذ إن كل المؤشرات تؤكد أن حكومة الجنوب تأوي وتسلح المجموعات المتمردة من كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وهذه تصريحات رسمية صدرت عن الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مرة، ولذا فإن حكومة الجنوب معنية بهذا البند تماماً، وهذا حبل آخر بالإمكان لفه حول عنقها دون عناء.
البند الخامس يتعلق بتفعيل الآلية المختصة لتلقي شكاوي وادعاءات أحد الطرفين ضد الآخر. البند السادس يأمر بالوقف الفوري للدعاية العدائية والتصريحات الملتهبة في وسائل الإعلام، فضلا عن عدم الاعتداء على ممتلكات المواطنين، وأن تضطلع الحكومتان بمسئوليتيهما الكاملتين عن حماية رعايا كل منهما تماشياً مع المبادئ الدولية.
البند السابع في المطلوبات الفورية يتعلق  بمنطقة أبيي، إذ يطلب القرار إعادة انتشار جميع القوات السودانية  وقوات جنوب السودان في غضون أسبوعين من اتخاذ هذا القرار خارج منطقة أبيي. هذا البند لا خلاف حوله بين الدولتين، وقد سبق أن وافقت الحكومتان على أن تتولى قوات أثيوبية الأمن بتلك المنطقة ووافقتا على سحب قواتهما خارجها لحين التوصل لحل نهائي.
البنود السبعة أعلاه ومطلوباتها الفورية لا تشكل خطرا على الحكومة السودانية، وليس لها مرود سلبي أو معطل لسياسات الحكومة ومواقفها المعلنة، بل إنها تستطيع أن تصنع من بعض البنود حبلا من مسد تضعه بهدوء على رقبة الجنوب ثم تنتظر وتتفرج ماذا سيفعل المجمتع الدولي إزاء إنفاذ تلك البنود التي قرر أن إنفاذها يجب أن يكون فوريا!!. غدا نواصل القراءة في القرار الأممي. 

عادل الباز