27/11/2011م
أن يرى حزب المؤتمر الوطني التحديات الماثلة أمامه فيسعى لتنشيط قواعده وشحذ هممها فإن تلك علامة عافية ودليل على قدرة الحزب على التفاعل مع معطيات الواقع الخارجي وقدرته على استنهاض همم أعضائة لمقابلة ما يواجهه الحزب من تحديات. أمس الأول ضاقت القاعة الواسعة بالأعضاء والضيوف وكانت معنوياتهم عالية وخلت القاعة تقريبا من أي توتر.
ثلاثة ملاحظات استوقفتني بعد أن شاهدت جموع المؤتمرين واستمعت للكلمات التي ألقيت وتابعت مخرجات اليوم الأول للموتمر. الأولى بدت لي حين شاهدت صفا من أعضاء المؤتمر ودققت في شخصياتهم لفترة طويلة، كانوا متنوعين بشكل مدهش تقريبا من كل أنحاء السودان، هنا أدركت أهمية الحزب السياسي ومعنى أن يكون انتماؤك لحزب لا لجهة أو قبيلة!!. مهما قلنا عن تجربة أحزابنا الطائفية والإسلامية والشيوعية إلا أنها كانت ولا زالت من مداميك تماسكنا الوطني. هذه الأحزاب بتكوينات وانتماءات أعضائها وحدت تنوعنا في إطارها وجعلتنا نسعى للحزب ليس لكونه يمثل قبيلة أو جهة ننتمي إليها بل لأننا نسعى لانتماء أعلى وأكثر رقيا وتطورا من الانتماءات القبيلة والإثنية الضيقة. تجربة المؤتمر الوطني في بناء  حزب متنوع إثنيا وقبليا تسهم بلا شك في تماسك الوطن وتدفع بالأعضاء للنظر لأبعد من انتماءاتهم المحدودة. لكم وددت أن يعيدان النظر في ضرورة وجود أحزاب قوية في الساحة السياسية بل يسعى لدعمها وتقويتها والسماح بتطورها حتى ينهض بنيان الوطن متمسكا لا تعترية شقوق عنصرية أو قبلية بغيضة.
الملاحظة الثانية في فعاليات المؤتمر انخفاض الصوت السياسي وعلو صوت الاقتصاد، ففي أكثر من إشارة دالة في حديث المؤتمرين للاقتصاد بل وركز الرئيس في كلمته على الاقتصاد وطالب الأعضاء بأن تتم مناقشة قضاياه بجدية. لم يشهد مؤتمرسابق مثل هذا الاهتمام بالاقتصاد وهو ما يشير إلى أن الأولوية التي يحاول المؤتمر الوطني أن يوجه إليها عضويته هي الاقتصاد. وقد ينعكس هذا الاهتمام على شكل الحكومة القادمة. بالفعل يحتاج المؤتمر الوطني تنشيط عضويته للخروج من المأزق الاقتصادي الذي تواجهه البلاد. الأمل أن تفتح الأوراق المتخصصة ـ التي سيناقشها أعضاء المؤتمر والخلاصات التي سيصلون إليها ـ آفاقا للخروج من الأزمة. ليت المؤتمر الوطني ينظرفي الأوراق التي ستقدم في المؤتمر الاقتصادي الذي سيعقده حزب الأمة . خلال اليومين القادمين ويشارك بجدية في فاعلياته لإنجاحه، فقد يهبه المؤتمرون فكرة ما أو مخرجا ما لعبور نفق الأزمة.
الملاحظة الثالثة في الجلسات أن المزاج العام الذي ساد المؤتمر هو مزاج تصالحي مع الآخر، فلم ترتفع أصوات معادية لفكرة الشراكة السياسية مع الأحزاب ويكاد يكون المؤتمر قد خلا من الهتافات العدائية. هذا المزاج بحاجة لتوطين داخل أروقة المؤتمر الوطني فلا تعود الأصوات المتطرفة إلى محطة (بعد ما لبنت تدوها الطير). على العموم ليس هناك طير الآن حريص على المشاركة بل تحاول كل الطيور التغريد خارج السلطة.
ليس ممكنا الحديث عن تغير ما في المؤتمر الوطني لا على مستوى الهياكل ولا على مستوى السياسيات، فذلك ليس مكانه المؤتمرات التنشيطية. يمكننا أن نتوقع ذلك بعد عامين في المؤتمر العام. ملاحظة أخيرة يجدر بنا تسجيلها وهي دقة التنظيم الذي سادت أروقة المؤتمر، فلقد انساب الآلاف الذين شهدوا المؤتمر بيسر للقاعة وتقدم شباب وشباب بخدمتهم كما ينبغي. خلى التنظيم من الهرجلة التي غالبا ما كانت تسود مؤتمراتنا الصحفية والحزبية. السؤال الذي طاف بذهني وأنا أتابع فعاليات المؤتمر ثم ماذا بعد.؟ هل لهذه العضوية التي نشطت برنامج عمل محدد تمضي لتنفيذه أم أنها سترجع لقواعدها سالمة فلا تحرك ساكنا من بعد؟. أتوقع أن يحمل أعضاء المؤتمر برنامجا واضح المعالم لإنفاذه في دوائرهم المختلفة فلا ينتظرون توجيها يأتيهم من علٍ خاصة بعد أن عرفوا اتجاه الريح واتضحت لهم معالم سياسات الحكومة وبرنامجها وأولوياتها. التنشيط للنهوض وليس لمواصلة النوم!!

عادل الباز