في يوم الجمعة الماضي نشرت هذه الصحيفة خبراً مقتضباً يشير لزيارة غامضة لبعض دول الجوار الإفريقي يقوم بها السيد رئيس دولة جنوب السودان أولها كينيا التي التقى فيها بالرئيس كيباكي . بالأمس اتضحت معالم الزيارة أكثر حين بعث الصحفي الرائع عارف الصاوي بتقرير مطول نُشر أمس بـ (الأحداث) متتبعاً الزيارة من العاصمة الكينية نيروبي. يقول عارف (منذ الأربعاء الماضية بدأ رئيس دولة الجنوب زيارة إلى أفريقيا ابتدرها الخميس بلقاء الرئيس الكيني مواي كيباكي، وأمس الأول بموسفيني في أوغندا، وأمس في إثيوبيا برئيس الوزراء مليس زيناوي.. يعود بعدها إلى جوبا قبل أن يغادر إلى جنوب أفريقيا .الرئيس سلفاكير يرافقه في هذه الجولة وزير الدفاع ورئيس أركان حرب الجيش الشعبي ومدير الأمن والمخابرات ونائب وزارة الخارجية.. هل الجنوب يتوقع حرباً مع الشمال؟) يضيف عارف (القصة أن الرئيس سلفاكير عندما جاء إلى نيروبي وقبل أن يذهب إلى كمبالا كان ثلاثة رؤساء آخرين قد ترددوا على نيروبي كثيراً منذ أغسطس الماضي. والنشاط الذي تشهده العاصمة الكينية نيروبي مرتبط أساساً بالحرب الثانية للقضاء على الشبكات الإرهابية في الصومال كبداية لخطة تأسيس دولة في صومال مستقر). إلى هنا انتهى تقرير عارف ليبدأ سيل من التساؤلات يتدفق على الساحة السياسية فيما يخص الزيارة لدول الجوار وسط أوضاع في غاية التعقيد ولكن صورة ما يجري لم تكتمل حتى الآن.
في جانب من الصورة نرى التصعيد الخطير الذي يجري بين دولة الشمال والجنوب سياسياً وعسكرياً. فالملاسنات السياسية التي تجري بين قمتي الدولتين في مناسبات متفرقة لم تتوقف، وسيل الاتهامات السياسية بين البلدين بين قيادات البلدين الوسيطة تكاد تكون خبزاً يومياً في صحافة البلدين. عسكرياً تتعقد الأمور في الأرض منذ أن بدأت الحرب في جنوب كردفان أعلنت الحكومة صراحة أن الدعم العسكري واللوجستي للمتمردين والمالي مصدره الأساسي دولة جنوب السودان. تفاقمت الأمور أكثر بين البلدين بعد اندلاع الحرب في النيل الأزرق. مرة أخرى تصاعدت وتيرة الأحداث على خلفية اتهامات الجنوب للشمال بقصف مواقع داخل حدوده. إلى هنا تمت عسكرة الخلاف وجرى تدويله بمجلس الأمن بسرعة مذهلة.
في جانب آخر من الصورة يُرى الاتحاد الأفريقي عبر لجنة امبيكي يلهث وراء تسوية سياسية واقتصادية حول القضايا العالقة بين البلدين بدت حتى الآن مستحيلة. جهود السيد امبيكي لم تثمر عن أي اتفاق، ولذا يبدو أن الشمال والجنوب قد يئسا من مهمة السيد امبيكي، وبدآ يبحثان عن مخارج أخرى. فالشمال أخطر السيد امبيكي أن المفاوضات بين حزب المؤتمر الوطني والحركة في الجنوب قد انتهت والقضايا العالقة تُعالج كقضايا بين دول، وبناءً على القانون الدولي؛ بمعني صريح أن مهمته القديمة باعتباره وسيطاً بين الحزب الحاكم والحركة الشعبية انتهت وتغيرت قواعد اللعبة تماما. في ذات الإطار بدأ الجنوب يتحرك بعيداً عن لجنة امبيكي، ويبدو أن ذات اليأس قد أصابه من الأفق المسدود الذي وصلت إليه لجنته بعد أكثر من ثلاث سنوات من التحركات الماكوكية بين الطرفين. بدأ الجنوب الآن يمارس لعبة نوعية ليخرج من دوامة لجنة امبيكي إلى الإقليم؛ لدول الجوار الشرقي والجنوب الافريقي بحثاً عن سند ودعم أفريقي في مواجهة الشمال. السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو أي دعم مطلوب؟ وبأي اتجاه؟. هل يسعى السيد سلفاكير إلى دعم عسكري على خلفية الإحساس بأن حرباً وشيكة مع الشمال بدأت تلوح في الافق؟. طبيعة تكوين الوفد المصاحب للرئيس سلفا كير وسرية الزيارة تشيان بذلك. الملاحظ هنا أن الأوضاع التي تواجهها منطقة شرق أفريقيا لا تعد بالكثير في هذا المجال.
هل يبحث السيد سلفا كير عن أفق سياسي جديد بمعنى الحصول على دعم سياسي وضغوط إقليمية على الشمال لحلحلة القضايا العالقة بين الدولتين؟. هذا ما أشار إليه كيباكي بعد لقائه بسلفا كير وأكده سلفا حين قال إنه بحث مع الزعماء في نيروبي القضايا العالقة في اتفاقية السلام (نيفاشا). ما يمكن ملاحظته هنا أيضا حول رحلة سلفا كير أنه ليس بيد دول الجوار الأفريقي كروت ضغط مناسبة على الشمال، ولذا يصح استنتاج أن سلفا إنما يحشد أفريقيا لقيادة قضيته مع الشمال بهدف نقلها بثقل قاري إلى المجتمع الدولي. ملاحظة ثالثة نضعها هنا وهي أن المجتمع الدولي وما يعانيه في خضم أوجاعه الحالية لا يملك الكثير ليقدمه للجنوب سوى الإدانات التي لم تعد ذات جدوى وغير ذات تأثير جدّي على حكومة الخرطوم.
أخيراً قبل أن تكتمل الصورة سيدرك السيد سلفا حين الفراغ من جولته الطويلة أن الاتفاق مع الخرطوم هو أقصر الطرق لنزع الألغام العالقة بين الدولتين. السلام مع السودان الشمالي هو أقصر الطرق لاستقرار الدولتين، وليس مطلوبا من السيد سلفا دفع أي ثمن كما قال باقان أموم في تصريحات أمس، إنما بثمن معقول يجنب البلدين مخاطر الحرب وأهوالها. فلن يكسب أحد من الحرب شيئاً.
عادل الباز