الحكومة القادمة أول حكومة في الجمهورية الثاثية بعد انفصال الجنوب.. هب أن تلك الحكومة جمعت فأوعت قوى سياسية متعددة، وهب أنها ضمت خيرة كفاءات الوطن من التكنوقراط والسياسيين والأمنيين، فما برنامجها؟. ماذا ستفعل تحديداً؟
انشغلت الصحافة والسياسيون بالمفاوضات الجارية بين الأحزاب وخاصة حزبي الأمة والاتحادي.. وتدفق مداد غزير حول المحاصصات التي تجري بين تلك الأحزاب.. وانشغل الجميع بلعبة الكراسي التي سيشغلها هذا الحزب أو ذاك. في ضحى الغد قد تُشكل الوزارة، وفي تلك اللحظة ستطير سكرة الكراسي وتأتي فكرة البرنامج؛ الفريضة الغائبة عن الذهن السياسي السوداني حكومة ومعارضة.
فات الأوان الذي يمكن أن يستمع فيه الحزب الحاكم للنصائح. لو أنه استمع لكان أفضل، مما يلهث خلفه الآن وهو إرضاء الأحزاب بالكراسي عوضاً عن إقناعها بالبرنامج. البرنامج سيساعده على اختيار الكوادر منه ومن الأحزاب التي يسعى لمشاركتها السلطة.
الحكومة الآن بما تواجهه من تحديات بالضرورة لابد لها من وضع أولويات في برنامجها. هناك ثلاثة تحديات ماثلة وشديدة الإلحاح: الأول تحدي اقتصادي، والثاني أمني، والثالت خارجي. يعني ذلك أن الحكومة لابد لها من برنامج اقتصادي واضح المعالم، وذو أهداف محددة وزمن معلوم لإنجازه. بناءً عليه هي بحاجة لشكل وزارة ملمحها الأساسي اقتصادي للعبور بالبلاد من نفق أزمة اقتصادية خانقة. وهي بحاجة لحزمة سياسات وإجراءت مالية ونقدية وضرائبية جديدة. فيصبح بذلك يجري التركيز على الكفاءات الاقتصادية ليس في الوزارات المختصة فقط، بل في اختيار كل فريق الوزارة. حكى لي مسئول أنهم حين يناقشون أمراً اقتصادياً بمجلس الوزراء يجلس 90 بالمائة منهم وكأن على رؤوسهم الطير؛ لا يستطعون أن يدلوا برأي واحد مفيد في الموازنة، أو أي إجراء أو قرار اقتصادي، ويكتفون بالاستماع، ثم تمرير القرار كما هو. لا أحد يقرأ التقارير الاقتصادية، ولذا يندر أن يجري نقاش اقتصادي عميق بمجلس الوزراء. إذا ما كان تحدي الحكومة القادمة الأول لا بد أن ينعكس هذا الملمح في التشكيل الوزاري. المطلوب مثلا مراعاة هذا البعد في الاختيار بحسب أولوية البرنامج.
التحدي الآخر يتعلق بالتحدي الأمني. فإذا كانت الأولوية الثانية هي الحرب مثلاً فالتحدي ليس في تجديد دماء القيادات على مستوى الأجهزة فقط، بل ستكون الحكومة القادمة بحاجة لخبراء أمنيين لوضع الاستراتيجيات اللازمة لمجابهة ثلاث حروب تشتعل في أطراف الوطن، واحتمالات حرب رابعة لا تزال قائمة.
إذا كانت مثلاً الجبهة الخارجية تعاني من حصار وضغوط دولية، فالأفضل أن تعمل الحكومة لاستقطاب أفضل الكفاءات الدبلوماسية بالبلاد لاجتراح طرق أخرى لفك الحصار. المؤسف الآن يجري تشريد كفاءات وخبرات بسبب أن قوانين الخدمة المدينة لا تسمح بمواصلة تلك الخبرات بعد الستين.. والغريب أنه العمر الذي يبدأ فيه العطاء بالنسبة للدبلوماسيين وتتنوع خبراتهم ويكونون أفيد للدولة من أي وقت مضى!!.
وهكذا يصبح الحزب الحاكم مواجه بتحديات، ولديه برنامج محدد، ويبحث عن كفاءات في وسط الأحزاب التي تجري المشاورات معها. وهذا يختلف جذرياً من أن يسعى الحزب الحاكم لحشد كفاءات بلا برنامج، فلا تعرف تلك الكفاءات المهمة التي انتُدبت إليها تحديداً (فتهيص وتلوص) ثم تودع بلا أثر. أو أن يضع الحزب الحاكم برنامج ما، ثم يختار رجالا بلا كفاءات، تأتي بهم المحاصصات كيفما اتفق، أو تدفع بهم الترضيات السياسية أو الجهوية والقبلية داخل جلباب الحزب الحاكم فيؤدي ذلك لفشل البرنامج، فتضيع مجهودات الحكومة القادمة هباءً لأنها لم تكن على مستوى البرنامج. حتى إذا توفر البرنامج وتوفرت الكفاءات وغابت الأولويات فإن مصير الكفاءات والبرنامج الفشل الذريع. فالتحديد الدقيق للأولويات في أهمية البرنامج والكفاءات التي تنفذه. فإذا كانت الأولويات سياسية وأهدرت الموارد في الحرب فإن من شأنه أن يعصف بالسياسة والأمن في آن. وكذلك إذا ما كانت الأولوية القصوى مثلاً اقتصادية ونفقت الأموال في التهريج السياسي والحشود والمظاهرات فإن ذلك سيربك الاقتصاد ويرفع معدلات التوتر في البلاد مما يقود إلى عدم الاستقرار الشيء الذي سينعكس سلباً على الاقتصاد. وهكذا.
ما ننتظره من أول حكومة للجمهورية الثانية هو أن تقول لنا منذ أول يوم ما برنامجها، ومن جانبنا سننظر للصورة المرفقة للبرنامج لنقرأ ما إذا كانت تلك الصورة قادرة على إنفاذ ذاك البرنامج أم لا، ثم ننظر في أولوياتها، ومن ثم هناك خياران سيتاحان لنا... إما أن ندعو لها بالتوفيق ونحن واثقون بفلاحها، أو نحتسبها ونحن مطمئنون لفشلها!! الله يكضب الشينة.

عادل الباز