10/11/2011م
ثلاث قضايا سيطرت على الساحة الإعلامية بالأمس ورغم ما بينها من تباعد لكنها في مجملها ستترتب عليها أجندة المستقبل القريب في السودان. القضية الأولى التي حظيت باهتمام حكومي وإعلامي هي  قصة تحالف (ياي) بين ياسر عرمان وحركات دافور المتمردة. والثانية تتعلق بالحراك الذي يجري بمجلس الأمن على خلفية تقارير تفيد باعتداءات على جنوب السودان قام بها الجيش السوداني. الثالثة قضية خارجية تتعلق بموقف السودان من سوريا واللغط الذي دار حول موقف الحكومة السودانية. نتناول اليوم قضية واحدة ونبحث في الأخريين لاحقا.
صبت الخرطوم جام غضبها على حكومة الجنوب باعتبار أنها الراعي  الرسمي الشرعي لاتفاق (ياي أو جوبا ). الملاحظ أن وتيرة التراشق الإعلامي تصاعدت خلال الأسبوع الماضي وبدأت على الأرض تحركات لا تبشر بخير بين الدولتين. لا يستطيع السيد سلفا كير وحكومته إنكار توفير الغطاء والدعم السياسي والمالي للحركات المتمردة فضلا عن دعمه لحلفائه القدامى في الحركة الشعبية. ولكن السؤال الذي يطوف بالخاطر: أي فوائد متوقعة من دعم ذلك التحالف؟ هل يعتقد سلفاكير أو مؤسسو ذلك التحالف أنهم قادرون على هزيمة المركز أو إسقاط النظام في الخرطوم بتبني أجندة حربية؟. لقد ظل التجمع الوطني الديمقراطي يتبنى الانتفاضة المحمية بالسلاح عشرين عاما لم يستطع أن يسقط مدينة واحدة. ولكنه استطاع أن يصل لبرلمان ذات السلطة بالعمل السياسي بناء على اتفاقية القاهرة تحت مظلة نيفاشا. ويبدو أن التحالف الجديد الذي يرفع ذات شعارات العمل العسكري لم يستفد من تلك التجربة وأراد أن يجرب المجرب- العمل العسكري ـ ومن يجرب المجرب تحيق به الندامة. تاريخيا لم يستطع الهامش أن يصل ويسقط المركز إلا في تجربة الإمام المهدي، ولكن كانت قيادة الهامش بيد المركزنفسة. أعجبني مقال ممتاز لرباح الصادق في الرأي العام أول أمس إذ قالت (الهامش جغرافي وليس إثني، ولكن الحروب الحالية لها وجه إثني قميء بفعل سياسات (الإنقاذ) واستجابة حملة السلاح وهي استجابة تظهر في صفوف المقاتلين في الطرفين بحيث يمكن فرزها ورصدها إثنيا. ونهاية المحاززة الإثنية هي تفتيت الوطن، وهي نهاية تتبناها مراكز دولية عديدة وتجد في عيوبنا موطئ قدم.). وهذه حقيقة أخرى من حقائق السياسة. ويبدو أن حزب الأمة ببصيرته يدرك أن السلاح المحمول إثينا وقبليا لن يحل مشكلة السودان وذلك هو موقف الإمام الذي يجب أن ترفع له القبعات. والنتيجة التي توصلت لها رباح صحيحة وهي أن نهاية المحاززة الإثنية والقبلية هى تفتيت الوطن. إذا أصابت رباح فإن الأستاذ عثمان ميرغني في مقاله بالأمس بالتيار رفض أن يكون السلاح وسيلة لإسقاط السلطة قائلا (النضال السياسي يشد ساعده ويقوي تأثيره وتقطف ثمرته كلما أبيضّ لونه وصفا من الدماء. وقد رأينا كيف أن النضال الجماهيري الأعزل من السلاح أطاح بالمخلوعين زين العابدين بن علي.. وحسني مبارك في أقل من شهر). فى زمن الربيع العربى كان مؤملا أن تعي الحركات المسلحة أن تغيير الأنظمة لم يعد بالسلاح، فالحراك الجماهير هو القادر على تغيير الأنظمة دون تكاليف باهظة تدفعها الشعوب دما وألما وفقرا وتشردا. ثم إنها لا تفيد مع نظام كنظام الإنقاذ جرب الحرب ويعرفها وهي تقويه ولا تضعفه.
قد يتوهم مهندسو التحالف الجديد أن دعما منتظرا سيهطل عليهم من أقاصى الدنيا كما حدث في مشكلة دارفور، ولكن هذا مجرد وهم أو هو ليس كما يتوقعون، فالعالم غارق في كوارثه بحيث لا يستطيع أن يرفع رأسه ليرى تحالفات جديدة تسعى لإسقاط أنظمة، وهو نفسه تتساقط أنظمته. سقط بابندرو  في أسبانيا وبرسكوني في طريقة للسقوط والحبل على الجرار. العالم تغير وبحاجة لمقاربة جديدة لرؤية الثابت والمتحول فيه.
قد يجر التحالف الجديد دولة الجنوب لحرب جديدة مع الشمال لكن الدولة التي تعاني أوجاع المخاض والميلاد الآن ليس بوسعها أن تمضي بلا وعي إلى الحرب مجددا إلا إذا قررت أن تنتحر. الشمال قادر على إلحاق الأذى بالجنوب بأكثر ما يمكن أن يفعل الجنوب. صحيح أن الحرب لن يكون فيها كاسب وستقود للفوضى والخراب ولن يكون فيها منتصر وهي عبثية بشكل كامل. المطلوب الآن نزع الأوهام، أوهام الهامش الإثني القبلي المسلح الذي سيسقط النظام، أوهام الدعم الخارجي، أوهام القوة والنصر القريب!!.

عادل الباز