يروى عن الدكتور الترابي عندما كان في عز مجده وسلطته وسيطرته على تفاصيل ويوميات الحكومة.. زاره في البيت وزير مرموق وسرد له تفاصيل رحلة رسمية إلى دول بقارة أمريكا الجنوبية، ثم لما همّ الوزير بالخروج ومغادرة الصالون ناداه الترابي قائلاً (يوم القيامة إذا ما سألوك عن الرحلة دي.. أوع تجيب سيرتها)!!

قبل يومين ثلاثة؛ وفد سوداني رفيع المستوى، قطع البحر والمحيطات وسافر من الخرطوم إلى المكسيك.. لا أعلم عبر مطار فرانكفورت في ألمانيا، أم عبر باريس أم لندن، لأن الطيران المباشر غير متوفر لمثل هذه الأصقاع من الدنيا.. وأغلب الظن ربما صعب على وفدنا الرفيع تحمل وعثاء السفر لساعات طويلة فارتاح في أوروبا أو المغرب أو حتى أمريكا.. كم يتعبون ويتغربون بين المطارات من أجلنا.

الوفد الرفيع يتكون من الدكتور فيصل حسن إبراهيم مساعد رئيس الجمهورية والأستاذ أسامة فيصل وزير الدولة بالخارجية.. وللعلم د. فيصل كان في زيارة لدولة الصين- في أقصى شرق الدنيا- قبل حوالى أسبوع واحد.. ومنها انتقل إلى اقصى غرب الدنيا، المكسيك!!

وفدنا الرفيع قطع هذه المسافة الطويلة من أجل المشاركة في (حفل!) تنصيب الرئيس المكسيكي الجديد.. أي والله.. وبالكاد استطاع أن ينال شرف مصافحة الرئيس المكسيكي خلال مأدبة الغداء الجماعية لكل ضيوف حفل التنصيب.. ثم كان الإنجاز والإعجاز أن نجح في التقاط صورة مع الرئيس المكسيكي لإثبات أن الرحلة آتت أكلها (وقد التقينا بالرئيس المكسيكي الذي أشاد بالعلاقات بين البلدين) -وما بين القوسين التعبير من عندي- رغم أني موقن أنه لم يسمع بعد ببلد اسمه السودان..

لا أقصد من هذه السطور أن أنكأ جراح رئيس الوزراء القومي السيد معتز موسى وأذكّره بحكاية “التقشف” ووجبة الفول في مجلس الوزراء التي ألغيت لمزيد من شد الأحزمة حول البطون.. فهذا معنى يدركه القارئ من أول لمحة.. لكني – والله العظيم- محتار في السيد أسامة فيصل وزير الدولة بالخارجية!!

وجود أسامة فيصل في هذا الوفد يعني واحداً من أمرين وكلاهما مُر.. إما أن الخارجية السودانية شريكة في قرار تبديد أموال الشعب السوداني.. أو لا حول لها ولا قوة في السياسة الخارجية.. وفي الحالتين يصبح السؤال، ولماذا يهدر الشعب السوداني من حر مال فقره المدقع عشرات ملايين الدولارات على وزارة لا حول لها ولا قوة في تخصصها؟

هل تظن الحكومة أن العلاقات الدولية تبنى بزيارات المجاملة، مثلها والعلاقات الاجتماعية بين الناس؟ وأن مجرد مشاركة وفد رفيع في حفل تنصيب توجب تبادل المنافع بين الدول؟

أم أن الأمر كله لا يتعدى كونه (سياحة دبلوماسية)؟.

التيار