واحدٌ من أكبر حَسرات هذه البلاد، ولاية القضارف.. في زيارتي الأولى لها قبل سنواتٍ طويلةٍ كتبت عنها وأسميتها (كاليفورنيا السودان) فهي ولاية من ذهب.. ليس بمواردها وثرواتها الطبيعيّة فحسب، بل وبإنسانها المُتسامح النّبيل.. حيث تمتزج كل شعوب السودان لتصنع (مزيج القضارف).

الآن؛ القضارف في وَضعٍ عَصيبٍ، حباها الله هذا العام بموسم أمطارٍ وفيرٍ.. في الجُزء الجنوبي من الولاية هطلت الأمطار مُبكِّراً وبكميات مُترفة.. وفي الأجزاء الوسطى والشمالية في المُعدّل العادي وهو عز ما يطلبه المُزارع.. من حيث الكمية والتوزيع الجُغرافي والتوقيت.. تتدفّق النِعم إلا "الجازولين" عصب الحياة للمزارع.. وبغيره تصبح الأمطار مُجرّد وحلٍ في دُمُوع الحرمان.!
والله؛ لا أعرف دولة في العالم تُكابد مثل هذا الوضع، كل جنيه يبذر في أرض القضارف يعود بمائة مثله.. (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم).. ومع ذلك نفشل في حمد الله على هذه النعمة باستثمارها في ما ينفع الناس.
أسهل نوع من الزراعة.. سُهولٌ طرية مبسوطة ومَاءٌ من السماء لا يحتاج مَضَخّات تنقله من النهر أو من الآبار.. أرض بكر تنبت كل شيء وتعطي بسخاءٍ بلا منٍّ أو أذَى، ومع ذلك نفشل في مُجرّد توفير "الجازولين" لمُزارع لا يطلب شيئاً غير هذه الطاقة المُحركِّة للآليات.
العلة في الإدارة – كما كرّر ذلك وزير النفط د. أزهري عبد القادر في مؤتمره الصحفي الأخير- عقلية الحكم الاتحادي التي تُدير الولايات مُتخمة بروح (الأفندية).. الذين لا ينظرون أبعد من الرسوم والجبايات.. ولا يتجاوز سقف أحلامهم البقاء أطول مَدَى في الكرسي حتى ولو أفقروا الولاية وأفلسوها وبيعت في المزاد العلني.. بالله عليكم كيف لولاية مثل القضارف يقتلها الظمأ والماء فوق ظُهُورها مَحْمُولٌ.!
سألت وزير النفط في مؤتمره الصحفي هل يُسمح للقطاع الخاص استيراد "الجازولين"؟ أجابني بـ"نعم" سريعة ومُؤكّدة.. لكنه قال أن لا أحد سيُفكِّر في استيراده طالما سعره في الداخل أقل! إجابة مُحيِّرة للغاية!!
جالون الجازولين المطلوب للزراعة لا يُقاس بتكلفة استيراده، بل بالعائد من الزراعة التي تستهلكه، فلو استورد تاجر الجازولين وباعه بخمسة أضعاف سعره الرسمي ووفّر كل الكميات المطلوبة للزراعة، لكان العائد والربح كبيراً لا يُقلِّل منه زيادة تكلفة "الجازولين".. خَاصّةً في مُواجهة خيار أن تزرع وتلحق المُوسم أو لا تزرع.!
لو كَانت ولاية القَضارف دَولة قَائمةً بذاتها، لا تنتظر المركز ليصرف عليها أو يتحكّم في مصيرها بتوفير الوقود والخدمات، لما احتاجت أبداً لمن يمد لها اليد.. بل لاغتنت بمواردها وعائداتها وأغنت بقية ولايات السودان تماماً كما كان مشروع الجزيرة وحده يُغذِّي شرايين السودان كله بموارد العُملة الصعبة التي جعلت مدينة مثل مدني عاصمة النضرة – لا الندرة - الاقتصادية في السودان.!
ألحقوا القضارف.. فهذا هو "النداء الأخير" قبل أن إقلاع طائرة مُوسم الزراعة بلا رُكّابٍ..!
نقلا عن التيار