فكرة الرئيس الأسود اقترحها الإعلام الأمريكي فنياً، بادئ ذي بدء، ثم مَهَّد لقبولها مع سبق إصرار جدير بالإعجاب، فكانت الفكرة تعرض أزياءها بهدوء على بساط الدراما، ونفحات التنوير تتسلل في بطء واثق عبر نوافذ العقل الجمعي ..!
فالخطاب السياسي الداخلي في الدول الديموقراطية أكثر إرهاقاً من الخطاب الخارجي، حيث يكون الهدف الرئيس هو المحافظة على استقرار شعور الناخب ــ دافع الضرائب ـــ بالرضا عن مناهج حكومته ومشاريع دولته، وحيث تتفوق صناعة الرأي من خلال مخاطبة اللا وعي عبر وسائل الإعلام على بقية الحيل الديموقراطية ! ..
عندنا يشعر المواطن الخام، غير المكرر بموجهات إعلامية أن التصريحات السياسية في جهة وأن التوجه الإعلامي لبرامج التلفزيون في جهة أخرى، بينما نبض الشارع في شغل شاغل عن كليهما!..
هذه سانحة لا بأس بها لاقتراح محاكمة التلفزيون القومي بأثر رجعي على موقفه السالب من وحدة السودان! .. لا أعني برامج المناسبات الموجهة لأغراض سياسية والمكثفة حد افتراض سذاجة المتلقي، بخطابات مباشرة حاصل طرحها نتائج عكسية، بل عنيت جهوده المقدرة في سبيل دعم مشروع وحدة الشمال والجنوب .. وتحقيق السلام في دارفور .. إلخ تلك الأماني الوطنية العذبة ..!
بافتراض أن تلفزيون السودان هو تلفزيون الحزب الحاكم أين هو من فن صناعة الناخب؟! .. أين هو من التأثير الإعلامي البنَّاء والرهان الواثق على توقيت الحدث .. وتأقيت الرأي .. ومقدار الجرعة .. ونوعها .. ومدى تركيزه ..؟!
كيف يقبلك الآخر إذا لم يكن قبوله هو لسان إعلامك ؟!.. كيف يقبل أن تتحد أشواقه الوطنية بأشواقك ؟! .. كيف يقبل أن يكون مواطنك وهو كان وما يزال ضيفاً مقحماً على برامجك التلفزيونية ؟! .. ضيف ما تزال مشاركاته المبتكرة تخلق دهشة (شمال أوسطية) لطيفة ..؟!
كيف تفترض أن يحتفي الآخر بصيغة قبولك وحدة كانت أم سلاماً وبرامج قناتك الأولى والرسمية مشغولة بالدوران في فلك ثقافة الشمال والوسط؟! .. ولئن كان تغليب ثقافة الشمال والوسط هو انعكاس شرطي لثقافة المجتمع فأين هو يا ترى دور الإعلام الوطني في إعادة صياغة مفاهيم المواطن ..؟!
قبل التنقيب في مواقف الآخر هل تشعر فعلاً أن التلفزيون الرسمي في بلادك (يشعر) بالانتماء حقاً إلى تلك الأجزاء من هذا السودان ؟! .. هل أنت راض كل الرضا ــ أو بعضه ــ عن تبصريك كمواطن بحقيقة الآخر في ظل هذا الانتماء المعقد ..؟!
أين هو يا ترى تلفزيون السودان .. تلفزيون الكل؟! .. أين ولاة أمره من تعزيز الثقة وصناعة الوعي بقيمة الآخر ومكانته وإبراز موجبات استحقاقه للثقة والاحترام ..؟!
يا للهول! .. الإجابة المنطقية على السؤال الأخير تقود نحو سؤال آخر كبير وخطير: هل هو ـــ فعلاً ــــ  تلفزيون السودان؟! .. رسمي وشعبي ؟! .. الإجابة المنطقية هي التي تقول ..!


منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.