"أنا مجد لا تُفَرِّط فيه ليبيا، ولا الأمة العربية والإسلامية، ولا إفريقيا، ولا أمريكا اللاتينية، ولا كل الشعوب" .. معمر القذافي!
(1)
تأملات الكتاب في أحوال المجتمع هي التي تصنع مخارج الأزمات السياسية باقتراحها لحلول شاملة تنتهج الحياد السياسي، وعليه فإن اشتغال الصحافة بالهم الثقافي والاجتماعي لا ينبغي أن يُعدَّ انصرافاً عن راهن السياسة، بل هو تأمل عميق في وجوهها الإنسانية العميقة! .. فالإقبال على السياسة ــــ بإفراط ــــ والانصراف عن كل ما عداها من هموم وقضايا المجتمع لا يقدم ـكما يظن البعض ـــــ وفي بعض الظن إثم ـــــ بل يؤخر الحلول السياسية التي يُعبِّد لها استقرار الهوية الثقافية والاجتماعية، طريق السلام الشامل!
(2)
الافتراض النقدي القائل بأن (مصطفى سعيد) بطل خالدة الطيب صالح  (موسم الهجرة إلى الشمال) ما هو إلا رمز للامتزاج والتضاد الإثني والتناقض الاجتماعي والسياسي في هذا السودان الكبير، يُعيدنا من حيث ندري أو لا ندري إلى معضلة البُعد الثقافي للأمة.. وكأن الأدب يُخرج لسانه للسياسة قائلاً إن (الأنا) السياسية لا تنفصل عن النظرة الكلية إلى (الآخر).. وإن سداد النظرة الكلية إلى الآخر أمر ينطلق بادئ ذي بدء من هوية اجتماعية وثقافية موحدة! .. لقد عاش (مصطفى سعيد) بعضاً يحن إلى بعضه، ورغم البِشر والدفء والخصوبة سار الثائر في طريق الغرق .. كم هي صادقة بقدر قسوتها نبوءات الأدب!

(3)
في معرض حديثه عن خصوصية القارة الإفريقية التي تحتم معالجات خاصة، قال وزير الخارجية الأسبق (هنري كيسنجر) إن أزمات القارة الإفريقية هي بمثابة (تحدٍّ) للسياسة الأمريكية في المنطقة، فتنوع إفريقيا يمنع القيام بالمعالجات السياسية المتفق والمتعارف عليها دولياً، بينما يتطلب اتساع وتفاقم أزماتها استجابات عاجلة وكبيرة! .. وخصوصية إفريقيا كقارة ـــ في تقديري ــــ تظهر بجلاء في لعنة المواطنة والدولة، ففي معظم دول العالم سبق نشوء الدولة وجود مجتمع وأمة، بينما في معظم (إفريقيا جنوب الصحراء) ظهرت (الدولة) قبل أن توجد (الأمة).. الأحداث الأخيرة في أم روابة وأبو كرشولا تدلل على أن الوعي بالأمة بمعناها القومي قناعة ومنهج تفكير ينقص الكثير من القبائل والمجموعات الاثنية والدينية التي تساكن بعضها بعضاً تحت مظلة جغرافية واحدة، وعليه فـإن (خبز) صنع حلولها السياسية ينبغي أن يعطى لخبازيها أي (شعوبها)!
(4)
ما حدث ويحدث من طمس لهُوية الحكم في إفريقيا يدلل بشكلٍ قاطع على أن عدالة الحكم ليست في ملكيته من جمهوريته، بل في تقنين (أدوار) و(دورات) مؤسسات الحكم! .. هذه القارة الإفريقية كانت في حال انسلاخ عن جلد الاستعمار الدولي عندما بليت باستعمار حكامها.. وهذا يشير بوضوح إلى أن فصول التحول التاريخي فيها لم تكتمل ولن تكتمل إلا بحلول استقلالها الثاني!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.